مقالات وبحوث
هل بدأت استراتيجية الاستنزاف الإيرانية في الحرب المفروضة عليها، تَأتي أُكُلَها؟

سعد صاحب الوائلي
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبعد أن أجج حربه التي فرضها على ايران بدفعٍ من رئيس الكيان نتنياهو، لم يجدْ مجرياتها ونتائجها (ملحمية!!) كما صورها له وزير دفاعه (بيت هيسيغث) المولع باللعب بحروب (البلي استيشن) التي اوحت له إطلاق اسم (الغضب الملحمي) على حربه تيمناً بأحدى العابه.
ليصلك المزيد من الاخبار اشترك في مجموعتنا على واتس اب
فترامب صُدِم بانّ مجريات حربه لم تكن كما صورتها له تقارير وزير خارجيته (ماركو روبيو)، وعنتريات (هيسيغث)، وتبسيطات بعض المستشارين الجدد الذين عينهم هو في البنتاغون، فإيران مازالت تُصَعِّدُ في قصفها لجميع القواعد والمنشآت الأميركية في المنطقة، وصواريخها لا تنفك تدك مدن الاحتلال الإسرائيلي بصورة لا تنقطع، حتى ان المستوطنين بالكاد يخرجون من ملاجئهم لإلتقاط انفاسهم.
المراقبون لمجريات الحرب، لمسوا حجم التخبط في تصريحات ترامب وتصريحات وزير حربه، فتارة، يؤكدون بأنّ اميركا وإسرائيل دمرت بالكامل البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي الإيراني، وقد تم القضاء على مصانع الأسلحة الصاروخية، وتم تدمير البحرية الإيرانية. لكن ما على الأرض يفصح ان عن شيءٍ آخر، فمعظم جردة الاستهدافات الأميركية والإسرائيلية تطال بالمقام الأول الكثير من المصالح المدنية والبنى التحتية السلمية في كل الأراضي الإيرانية، حتى انهم استهدفوا منشآت الطاقة الكهربائية، والمنشآت النفطية والغازية، والمدارس والمستشفيات والملاعب الرياضية وحتى المتاحف والمراكز الاكاديمية والبحثية والجامعات، ناهيك عن ان باكورة استهدافات ترامب كانت مدرسة ميناب الابتدائية للبنات التي راح ضحيتها قرابة مئتي طفلة صغيرة، وبالطبع لا يُنكرُ استهداف اميركا وإسرائيل لأهداف عسكرية واهداف للحرس الثوري ضمن هذه الجردة.
وبإزاء هذا التخبط من ترامب ووزير حربه نراهم يتفاخرون بقصفهم لأكثر من (7000) هدف إيراني، غير ان عتاة البنتاغون لم يضعوا توصيفاً عسكرياً مقنعا لماهية تلك المستهدفات.
على أيةِ حال، يبدو أنَّ إستراتيجية الاستنزاف البطيء التي تعتمدها ايران في خضم هذه الحرب مع اميركا وإسرائيل قد بدأت تُؤْتِي أُكُلَهَا، فمع تعالي الأصوات بفداحة نقصان المخزون الأميركي من الذخائر والاعتدة وكلف النقل، والارضاع الجوي لسلاح الجو، وكلف حراك البحرية الأميركية، ضغط ترامب بشدة على البنتاغون لمطالبة الكونغرس بتمويلٍ إضافي للحرب يتجاوز (200 مليار دولار) بهدف تغطية تكاليف العمليات العسكرية المستمرة ضد ايران، وبغية تعويض النقص الحاد في مخزونات الذخيرة والسلاح التي استُنزفت بالفعل خلال الأسابيع الأولى من الحرب.
الملفت، ان ترامب وصف هذا المبلغ بانه (ثمن صغير يتوجب دفعه)، ويعاضده بذلك توصيف وزير حربه في مؤتمرٍ صحفي ان (قتل الأشرار يتطلب مالاً)، إلا انّ الكونغرس وقف بشدة رافضا هذا المبلغ المهول، خصوصا وان امر الحرب صدر من ترامب دون مراجعاتٍ أصولية وقانونية من كبار القيادات والساسة كما هو دارج في الولايات المتحدة.
ورغم ان تقارير البنتاغون اشارت بوضوح للكونغرس من أن (الاسبوع الأول وحده من الحرب كلف الولايات المتحدة ما يزيد على 11.3 مليار دولار)، إلا ان الموقف الفعلي داخل الكونغرس شهد معارضة قوية من لدن الديمقراطيين وبعض الجمهوريين ممن رأوا ان هذا الرقم ضخم جداً، وأنهم يتوجسون خيفةً من إحتمالية انخراط واشنطن في حرب استنزافٍ طويلة الأمد لِمَا لمسوه من قدرات الإيرانيين على المطاولة، ومن تصريحاتهم التي تعززها مراكز الاستخبارات التي تشي بأن مخزون الردع والاستهداف الإيراني قد يدوم لسنوات.
كبراء الكونغرس همشوا في تقاريرهم الأولية بأن كل كلفة حرب العراق لم تصل الى ما يزيد عن (140 مليار دولار سنوياً في ذروتها)، متسائلين من ترامب (ما بالُ حربك تستهلك 11.3 مليار دولار في اسبوعها الأول وحسب!).
عموماً، صحيح ان ترامب وقبل الحرب حَلَبَ مليارات الدولارات من حكام الخليج (ربما كثمن لتأجيج هذه الحرب)، غير انه ادرك ان سياسة الاستنزاف الإيرانية أوقعته في مهلكة، ولا تقوى إزاءها لا المليارات الخليجية ولا حتى المليارات التي ستسفر عن مخاض مطالباته المهولة من الكونغرس.
وعلى ذكر (المليارات الخليجية) التي اهديت لترامب، ومن قبل لابنته (ايفانكا)!!، فما ذكره وزير حرب ترامب هيسيغث في جواب لاحد الصحفيين بشأن موضوعة أفغانستان وحرب ايران، أجابه إجابة لم تترجمها المترجمة في قناة الجزيرة مباشر، حيث قال بالحرف الواحد: ” إنهم أعداؤنا، وفي حربٍ معنا، سواء أكانوا سنة او شيعة، إنهم أعداؤنا “.. نعم هكذا قال، سنة او شيعة هم أعداؤنا، ما يعكس التوجه الحقيقي لأميركا وإسرائيل حيال بلدان الخليج، صحيح أنهم في علاقات صداقة اليوم ويقفون سويةً ضد الشيعة، ولكن بعد ان ينتهوا من الشيعة في ايران والعراق ولبنان واليمن، سيتفرغون للسُنّة بذرائع شتى، بعضها جاهز كمحاربة الإرهاب، وداعش، ومواجهة التطرف، وحقوق الانسان، وسوى ذلك.
بكل الأحوال، كبار الكونغرس ادركوا ان اهداف حرب ترامب المعلنة ضد ايران لم يتحقق منها شيء يذكر حتى الساعة، فلا البرنامج النووي الإيراني تم التحقق من تدميره بالكامل، ولا كميات اليورانيوم المخصب الذي تمتلكه ايران تم الحصول عليها، ناهيك عن ان برنامج الصواريخ مازال يدك إسرائيل بصورة يومية لا تنقطع، فضلا عن ان الشعب الإيراني لم يتنفض على حكومته بل ازداد تلاحما معها، لاسيما عقب إغتيال قائد الثورة الإسلامية اية الله خامنئي، وما زاد الطين بِلّة أن طهران قد تفرض قيوداً سياسية واقتصادية جديدة بعد انتهاء الحرب بشأن موضوعة التحكم بمضيق هرمز عقب سيطرتها عليه وفقاً للحسابات العسكرية واللوجستية.
ومع هامش تطورات الحرب غير المؤاتية، والمخيبة لجميع آمال ترامب، بل المُطبِقَة بقسوة على عنقه، فهل تراه سيلجأ لوسيلة الهروب للامام، عبر زَجِّه للمزيد والمزيد من جنود البحرية الأميركية كي يحترقوا في أتون حربه التي باتت تتسع رقعتها ساعةً بعد ساعة، على أمل تحقيقهم إنزالاً في جزيرة خارك النفطية، او تواجداً على مقربة من مضيق هرمز، لِيُعَظِّمَــهُ كنصرٍ هنا، او اختراقٍ هناك في الجغرافية الإيرانية. فهل سيواكب الكونغرس ترامب ليواصل حماقاته، ام سيضع حداً لهذه الحرب العبثية.






