مقالات وبحوث
يوم دحو الأرض يوم الرحمة الإلهية

اكرم كامل الخفاجي
الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
في التقويم الإسلاميّ، يحمل اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة الحرام عنوان : يوم دَحْو الأرض ، لمشهد من مشاهد الخَلْق العظيمة ، وواقعة جليلة في بداية الخلق الإلهيّ ، وهي مذكورة في الكتاب العزيز في آيتين :
الأولى : ﴿والأرضَ بعدَ ذلك دَحاها﴾ النازعات – 30 .
الثانية : ﴿والأرضِ وما طَحاها﴾ الشمس – 6 .
يقول المفسرون في تفسير الآية ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ، دحاها أي بسطها ومهدها بحيث تصبح صالحة للسكن والسير .
ويقولون في تفسير الآية ﴿والأرضِ وما طَحاها﴾ ، طحاها : دَحاها أو بسطها ووطَّأها .
فتكون لفظة دحا اللفظة العربية الوحيدة التي تشتمل على البسط والتكوير في ذات الوقت ، فتكون أولى الألفاظ على الأرض المبسوطة في الظاهر المكورة في الحقيقة .. وهذا منتهى الإحكام والخفاء في اختيار اللفظ الدقيق المبين .
فيكون معنى دحو الأرض بسطها ، أي جعلها مبسوطة ، ولذلك كان من أسماء الأرض : البسيطة .
ولما لابد لهذه البسيطةِ من إستقرار ، وأصول ، تستند اليها لتقف أمام أي ظرف أو ظاهرة طبيعة تؤثر على استقرار الأرض أمثال الزلازل والعواصف والفيضانات والمد والجزر والبراكين وغيرها من هذه الحالات التي تؤثر على إستقرار الأرض ، وعلى أثره جعل الله سبحانه وتعالى الجبال لتكون أوتاداً لكي تثبت الأرض وقوله تعالى : {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} أرساها بمعنى الثبات .
وبعد هذا التوضيح لدحو الأرض وتهيئتها لسكنى الموجودات يكون هذا خير دليل على قدرة الخالق في بدء الخلق ، والإعادة ، والإذعان على تحقق المعاد وان الله يجمع من في القبور .
ونستفيد من يوم دحو الأرض عدة فوائد منها :
إنه مذكور في القرآن الكريم وهو دستور السماء بيد الأرض ، ويجب الإحتفاء به كيوم نزلت فيه الرحمة الإلهية .
حيث نجد الحديث قي القرآن الكريم عن الأرض باعتبارها نعمة أنعم الله تعالى بها على الإنسان ، فهي الفراش للإنسانية والمهد : (الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) البقرة – 22 ، وكذلك (الذي جعل لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلاً وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآياتٍ لأولي النهى * منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) طه 53 – 55 .
يقول احد العلماء العارفين : فإن العلم بالنعمة ومقدارها كمّاً وكيفاً أول مراتب شكرها كما ورد به النص .
وقد ورد في الأخبار الكثيرة أن في الخامس والعشرين من ذي القعدة نصبت الكعبة ، ودحيت الأرض ، وهبط آدم ، وولد الخليل وعيسى (عليهم السلام) ، وفيه نشرت الرحمة .
وأما ختام العمل في هذا اليوم فينبغي أن يكون ببذل أقصى الجهد في التلطف في الطلب من الله تعالى بالقبول والمغفرة وان يقبل منه ما عمله ، ويبلغه من مراحمه ومكارم أمله ، فإنه يوشك إذا اجتهد العبد في لزوم الأدب لكل يوم سعيد أن يؤهله الله تعالى للمزيد : (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) .
ومن الفوائد ان هناك تفسير لدحو الأرض نستشف منه عِظم هذا اليوم كما – قال الإمام الباقر (ع): «لما أراد الله أن يخلق الأرض ، أمر الرياح الأربع فضربن متن الماء حتّى صار موجاً ، ثمّ أزبد فصار زبداً واحداً ، فجمعه في موضع البيت ، ثمّ جعله جبلاً من زبد ، ثمّ دحا الأرض من تحته ، وهو قول الله عزّ وجلّ : (إِنّ أَوّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكةَ مُبَارَكاً) ، فأوّل بقعة خُلقت من الأرض الكعبة ، ثمّ مُدّت الأرض منها» .
ومن فوائد هذا اليوم هو عدم التضاد بين الدين والعلم في خلق الأرض ومادتها .
حيث يذهب علماء الطبيعة الى أن الأصل في خلق الأرض كان نتيجة الانفجار الكوني العظيم فخلقت الأرض والسماوات بما فيها مليارات المجرات والفرضية الشائعة في كيفية هذا الانفجار أنه حدث في الفراغ حيث كانت مادة خالصة لا فضاء فيها ومن ثم انفجرت هذه المادة نتيجة ارتفاع درجة حرارتها الى درجة مرتفعة جداً ليبدأ الكون بالتوسع ومازال مستمراً في التوسع الى اليوم ، لتعمل الجاذبية عملها هنا لتتشكل المجرات الكونية بنجومها وكواكبها وشهبها وغير ذلك بما فيها مجرتنا درب التبانة ونظامنا الشمسي ومجموعة الكواكب بما فيها الأرض ، ويقدر العلماء عمر الكون الآن بأربعة عشر بليون سنة ، وفيه من تجمعات النجوم المجرية في الكون المرئي خمسة وعشرون مليار تجمع نجمي وفيه من المجرات العملاقة ثلاثمائة وخمسون بليون مجرة والصغيرة سبعة تريليون مجرة وعدد النجوم ثلاثون مليار ترليون نجم .
ولهذا نجد اتفاق نظرية الانفجار الكوني العظيم مع النظرية الإسلامية في أصل الكون وهو مادة إلا أن النظرية الإسلامية توضح لنا كيفية خلق المادة ذاتها كما ورد في نهج البلاغة لأمير المؤمنين علي (ع) حيث قال : (أنشأ الخلق انشاءً وابتدأه ابتداءً بلا روية أجالها ولا تجربة استفادها ولا حركة أحدثها ولا همامة نفسٍ اضطرب فيها أحال الأشياء لأوقاتها ولأم بين مختلفاتها وغرز غرائزها وألزمها أشباحها عالماً بها قبل ابتدائها محيطاً بحدودها وانتهائها عارفاً بقرائنها ….) الكلمة طويلة إقتطفنا منها قدر الحاجة .
ومن الفوائد العميمة في هذا اليوم هو الدعاء لرب العزة . حيث أن هذه الأدعية الواردة بهذه المناسبة – إضافة إلى الصيام المندوب فيه – تفتح المجال كغيرها من الأدعية أمام الإنسان ، كي يفكر في حاله وأوضاعه ، ويعيد ترتيب علاقته بربّه ، ويصحح انتماءه إلى الإسلام والتزامه بتعاليم أهل البيت (عليهم السلام) ، فيكون انتماء الفعل والسلوك الذي يؤكّد عمق الارتباط بربّه ، ويترجم حسن تمثّله لقدوته بالتزام موقف الحقّ ، ويكون الإنسان المؤمن الذي ينفتح على كلّ كلمات الدعاء بروحيّة عالية ، يتحسّس فيها مسؤوليته أمام ربّه في الدنيا والآخرة . فالله تعالى هو أقرب إلينا من حبل الوريد ، فلابدّ من أن نراقبه في كلّ شيء نفكّر فيه ونشعر به ، وأن نتحسَّس وجوده في كلِّ نبضة قلب وحركة عقل ، وكلّ توجّه ودعاء وابتهال .
وهذا اليوم المبارك يُستحبُّ فيه :
الصوم : وردت عدّة روايات تؤكّد على صيام هذا اليوم العظيم ، منها : قال رسول الله (ص) : (وأنزَلَ اللهُ الرحمةَ لخمس ليالٍ بقين من ذي القعدة ، فمن صام ذلك اليوم ، كان له كصوم سبعين سنة) .
وقال الإمام علي (ع) : «إنّ أوّل رحمة نزلت من السماء إلى الأرض في خمس وعشرين من ذي القعدة ، فمن صام ذلك اليوم ، وقام تلك الليلة ، فله عبادة مائة سنة صام نهارها وقام ليلها ، وأيّما جماعة اجتمعت ذلك اليوم في ذكر ربّهم عزّ وجلّ ، لم يتفرّقوا حتّى يُعطوا سؤلهم ، وينزل في ذلك اليوم ألف ألف رحمة ، يضع منها تسعة وتسعين في حلق الذاكرين والصائمين في ذلك اليوم ، والقائمين في تلك الليلة» [إقبال الأعمال : ۲ /۲۷] .
وعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَبِي وَأَنَا غُلَامٌ ، فَتَعَشَّيْنَا عِنْدَ الرِّضَا (ع) لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ .
فَقَالَ لَهُ (ع) : لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وُلِدَ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ (ع) ، وَوُلِدَ فِيهَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ، وَفِيهَا دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ، فَمَنْ صَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ كَمَنْ صَامَ سِتِّينَ شَهْراً .
الصلاة : ركعتان تُصلّى عند الضحى ، بالحمد مرّة والشمس خمس مرّات ، وتقول بعد التسليم : (لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلّا بِاللّهِ الْعَلىِّ الْعَظيمِ) ، ثمّ تدعو وتقول : (يا مُقيلَ العَثَراتِ أَقِلْني عَثْرَتي ، يا مُجيبَ الدَّعَواتِ أَجِبْ دَعْوَتي ، يا سامِعَ الأَصْواتِ اِسْمَعْ صَوْتي ، وَارْحَمْني وَتَجاوَزْ عَنْ سَيِّئاتي ، وَما عِنْدي يا ذَا الْجَلالِ وَالإكْرامِ) .
ومن الأدعية الواردة في هذا اليوم : اللهم اجْعَلْني مِنْ مُرافِقي اَوْلِيائِكَ وَاَهْلِ اجْتِبائِكَ وَاصْطَفائِكَ ، وَباركْ لي في لِقائِكَ ، وَارْزُقْني حُسْنَ الْعَمَلِ قَبْلَ حُلُولِ الاَجَلِ ، بَريئاً مِنَ الزّلَلِ وَسوُءِ الْخَطَلِ ، اللّهمّ وَاَوْرِدْني حَوْضَ نَبِيِّكَ مُحَمّد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَاسْقِني مِنْهُمَ شْرَباً رَوِيّاً سائِغاً هَنيئاً لا اَظْمَأُ بَعْدَهُ وَلا اُحَلاّ وِرْدَ هُوَلا عَنْهُ اُذادُ ، وَاجْعَلْهُ لي خَيْرَ زاد ، وَاَوْفى ميعاد يَوْمَ يَقُومُ الاَشْهادُ .
اللّهمّ وَعَجِّلْ فَرَجَ أَوْلِيائِكَ ، وَارْدُدْ عَلَيْهِمْ مَظالِمَهُمْ ، وَاَظْهِرْ بِالْحَقِّ قائِمَهُمْ ، وَاجْعَلْهُ لِدينِكَ مُنْتَصِراً ، وَبِاَمْرِكَ في اَعْدائِكَ مُؤْتَمِراً اللّهمّ احْفُفْهُ بِمَلائِكَةِ النّصْرِ وَبِما اَلْقَيْتَ اِلَيْهِ مِنَ الاَمْرِ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، مُنْتَقِماً لَكَ حتّى تَرْضى وَيَعوُدَ دينُكَ بِهِ وَعَلى يَدَيْهِ جَديداً غَضّاً ، وَيَمْحَضَ الْحَقّ مَحْضاً ، وَيَرْفُضَ الْباطِلَ رَفْضاً .
اللّهمّ صَلِّ عَلَيْهِ وَعَلى جَميعِ آبائِهِ ، وَاجْعَلْنا مِنْ صَحْبِهِ وَاُسْرَتِهِ ، وَابْعَثْنا في كَرّتِهِ حتّى نَكُونَ في زَمانِهِ مِنْ اَعْوانِهِ .






