مقالات وبحوث
الحصار البحري الأميركي على إيران: قراءة في الجدوى والتداعيات في ظل وقف إطلاق النار

سعد صاحب الوائلي 18/04/2028
في مشهد جيوسياسي متضارب، تصطرع فيه الإرادات وتتداخل فيه مخالب القوة، يلوح تساؤلٌ مفصلي حول جدوائية (الحصار البحري) الذي يلوح به الرئيس الأميركي ترامب على الموانئ الإيرانية، وذلك في ظل وقفٍ هشٍ لإطلاق النار بين واشنطن وتل ابيب من جهة وطهران من جهة أخرى.
ليصلك المزيد من الاخبار اشترك في مجموعتنا على واتس اب
الحصار البحري، الذي وصفته الدوائر الإيرانية الرسمية بأنه (قرصنة)، تشير الى أنه (يعاقب حلفاء أميركا لا إيران) بالمقام الأول، نظراً لإصطدامه بواقع ميداني وقانوني واستراتيجي يبتعد تماماً عن السيناريوهات التقليدية للحروب البحرية.
= المعضلة العسكرية واللوجستية:
وفقاً لقراءات الخبراء والمحللين، فمن الناحية العسكرية المحضة، يبدو فرض حصار بحري كامل وفعال على الموانئ الإيرانية بعيد المنال ومهمة شبه مستحيلة.
فتنفيذ مثل هذا الحصار البحري على مبعدة من مضيق هرمز وفي مياه خليج عمان او بحر العرب فإنه سيستدعي بلا ريب تواجد أساطيل بحرية ضخمة على الدوام، مدعومة بالمزيد من خطوط الإمداد البحرية والبشرية المتواصلة وغير المنقطعة. الى جانب حتمية توافر نقاط دعمٍ في الجغرافية القريبة بالمنطقة، والتي مازالت حتى الساعة تعاني الامرّين جراء ما لحقها بفعل تواجد القواعد الأميركية على أراضيها بعد ان إستخدمت من قبل واشنطن كدروع لوجستية وبشرية لحماية تلك القواعد في الأراضي الخليجية.
ما يبدو جلياً، ان حجم التصريحات الأميركية حول موضوعة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية لا يتعدى كونه (بروباغاندا) إعلامية يستثمرها الرئيس الاميركي لتحقيق مكاسب صورية على الأرض يطرحها كمنجزاتٍ للحرب ويقدمها امام جهات الضغط التي تُطبِقُ على خناقه في المحافل السياسية والحزبية الأميركية. وبهذا فإن مرامي ترامب من وراء هذا (الحصار) تقترب من كونها (موجة ضغط مزدوجة على ايران وعلى الداخل الأميركي معا) أكثر مما تبدو في حقيقة الامر كخطةٍ عسكريةٍ قابلةٍ للتطبيق الفعلي في لجة البحار.
بمعنى، فمستلزمات منع وصول أي سفينة إلى الموانئ الإيرانية يتطلب بفعل اللوجيستك العسكري البحري قدرات هائلة تفوق ما هو متاح في العمق المائي في الخليجين، خصوصا بعد أن كشفت الحرب الأخيرة عن قدرات لم تكن بالحسبان لدى ايران، وانكشاف اقتدارها الأسطوري الذي عمل على كسر هيبة السلاح الأميركي والإسرائيلي وإلحاق خسائر فادحة بهما.
= إيران تسيطر.. لا تغلق
الامر الاخر، فجميع المعطيات تشير إلى أن إيران لم تغلق بالفعل مضيق هرمز بشكل مطلق حتى ومنذ بداية ازمة المضيق، بل هي أعادت تعريف قواعد الاشتباك فيه. إذ أنها استثمرت تحول المضيق من ممر مائي دولي إلى بيضة قبان لصالحها جراء ما اسفرت عنه تداعيات الحرب.
فايران ومنذ البدء لم تخضع حركة الملاحة للأغلاق التام، بل وضعته تحت الرقابة الكاملة من قبل الحرس الثوري خشية استخدامه من قبل القطعات البحرية العسكرية المعادية خلال مجريات الحرب.
فطهران أعلنت مرارا بان السفن التجارية غير المعادية مسموح لها بالمرور، ولكن عبر مسارات محددة وبتنسيق مسبق مع الجانب الإيراني. أما السفن الحربية الأميركية أو سفن الدول المعادية، فدخولها ممنوع تماماً، تحت طائلة استهدافها. ومؤكد ان هذه الإشكالية الميدانية هي التي حملت شركات التأمين على رفض مرور السفن لما يعتمل المنطقة من مخاطر جمة تلحق خسائر بالسفن المارة تحت وطأة المواجهة العسكرية القائمة، لذا وجدنا تلك الشركات ترفض المخاطر بمرور السفن وناقلات النفط، وبالطبع كان هذا الامر عامل قوة مضافة الى (الردع) الإيراني وليس عين فرض وغلق للمضيق بالمعنى الذي تسوقه اميركا.
وبنظرة، فإن (الحصار البحري الأميركي) الذي أعلنه ترامب هو في حقيقة الامر حصار على حلفاء واشنطن اكثر مما هو حصار على ايران بالمعنى الاقتصادي. فحتى بعد سريان وقف اطلاق النار، تتجه في هذه الساعات (20) ناقلة للخروج من المضيق، وتحت نظر السيطرة الإيرانية الفعلية ووفق المسارات التي تحددها الجهات البحرية الإيرانية حصرا، ورغم ذلك، فإن ناقلات النفط والسفن التجارية لم تعد لأنسيابية المرور السابقة بالشكل الطبيعي، خشية من هشاشة الهدنة، مما يعني أن إيران حققت هدفاً إستراتيجياً بإستثمار ازمة المضيق كعامل ضغط هائل في سير معركتها ضد اميركا وإسرائيل.
بإختصار، يبقى التساؤل الأهم: هل الحصار البحري الأميركي مجدٍ؟ الإجابة من واشنطن لا، فالحصار إذا ما طٌبِّق بشكلٍ فعلي، فسيُلحق الضرر بحلفاء أميركا وأوروبا، وبالصين والهند وروسيا (التي تصعب مواجهتها) قبل أن يضر بإيران، التي تصر على أن التعويضات (التي قد تصل إلى 250 مليار دولار) هي شرطٌ أساسي لأية تسوية مستقبلية مع اميركا.
الشرخ الأوروبي الأميركي الذي كشفته الحرب، يؤكد أن واشنطن تقف اليوم منفردة في مواجهة إيران التي أدارت المضيق وفقاً لشروطها وحولته من ممر دولي إلى (مضيق إيراني بامتياز).
وبالمحصلة، فالحصار الأميركي ليس أداة ضغط بقدر ما هو وهم عسكري وبروباغاندا انتخابية، لا يضاهي حجم المكسب الإيراني منه بإستحالته لقوة ردع إيرانية ناعمة على أرض الواقع.






