مقالات وبحوث
درس من قصة يوسف

مجيد الكفائي
يستطيع الإنسان أن يتأمل قصة يوسف مع إخوته كما وردت في القرآن الكريم فيجد أنها ليست مجرد حكاية قديمة بل مرآة لحال البشر في كل زمان
فقد حسد إخوة يوسف أخاهم وألقوه في الجب وكان الحسد يومها يعمي القلوب ويغلق أبواب الرحمة .
لكن القصة لم تنتهِ عند لحظة الخطيئة بل فتحت بابا آخر هو باب الاعتراف والرجوع إلى الحق .
ليصلك المزيد من الاخبار اشترك في مجموعتنا على واتس اب
فحين واجهوا يوسف بعد سنين طويلة لم يجدوا مفرا من قول الحقيقة
“تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين” .
وكان رد يوسف أسمى من الانتقام وأعلى من العتاب
“لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين”.
هذه اللحظة تكشف أن الخطأ مهما كان كبيرا يمكن أن يُغفر إذا وُجد الصدق في الاعتذار وإذا كان في القلب بقية من ضمير .
ولو نظرنا إلى واقعنا في العراق اليوم لوجدنا أن القصة ما زالت تتكرر بأشكال مختلفة .
كم من أخ ظُلم من إخوته؟ وكم من إنسان أُبعد أو أُسيء إليه بسبب الحسد أو المصالح أو سوء الفهم؟ وكأن التاريخ يعيد نفسه لكن الأسماء فقط هي التي تتغير .
السؤال الحقيقي ليس:
هل أخطأ الإخوة؟
فالخطأ طبيعة بشرية .
السؤال الأهم هو هل يملكون شجاعة الاعتذار؟
الاعتذار ليس ضعفا بل قوة أخلاقية نادرة .
هو اعتراف بالحقيقة وتواضع أمام الله قبل الناس .
فإذا استطاع إخوة يوسف أن يقولوا كلمة الحق بعد سنين من الغرور والإنكار فليس مستحيلًا على إخوة اليوم أن يفعلوا الشيء نفسه.
إن أخوة يوسف في العراق إن أرادوا المغفرة حقا فعليهم أن يتذكروا أن الله يفتح باب التوبة ما دام القلب حيا .
فرب كلمة صادقة تُقال بدموع الندم قد تمحو سنوات من القسوة والجفاء .
غير أن المشكلة ليست في القدرة على الاعتذار بل في الإرادة .
فبعض القلوب تأسرها الكبرياء فتُفضّل البقاء في جحودها على الاعتراف بخطئها وكأن الكرامة عندهم في الإنكار لا في الصدق .
لكن التاريخ يعلمنا درسا واضحا
الذين اعترفوا بخطئهم في قصة يوسف بقوا في الذاكرة تائبين
ولو أصرّوا على عنادهم لبقوا ظالمين .
وهنا يقف الإنسان أمام نفسه ويسأل:
هل نريد أن نكون مثل إخوة يوسف قبل التوبة أم بعدها ؟
فربما لا يزال الوقت قائمًا ليقول الإخوة لأخيهم كلمة واحدة تغيّر كل شيء:
أخطأنا… فهل تسامحنا ؟
فإن قيلت بصدق فقد يبدأ فصل جديد من الأخوّة ويكون الرجاء أن يشملنا جميعا قول يوسف:
“يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين” .






