مقالات وبحوث

(وفيكم سَمَّاعُونَ لَهم..)

سعد صاحب الوائلي 12/05/2026

لعل أفدح أوجه الخطورة القائمة حالياً، هو ما جَسَّده القرآن الكريم في سورة التوبة في الاية 47 (وفيكم سَمَّاعون لهم). فإذا ما نظرنا الى أبعاد الهجمة الأميركية ـ الإسرائيلية ـ الغربية التي تُشن على آخر معاقل المجتمعات المحافظة في منطقتنا (إيران، العراق، جنوب لبنان، اليمن، ..) لتجَلَّتْ لنا حجوم تلك الهجمات العسكرية منها والثقافية والتغييرية التي نقاسيها راهنا، فها هو العدو قد وجد في دواخل مجتمعاتنا مثاباتٍ ومكامنَ ومواطنَ ترعرعٍ ونموٍ في اوساطنا، فأعَملَ عظيمَ جُهدَه، ومنتهى كيده في تجنيد الطوابير المؤيدة، أو المداهنة له، او المنخرطة في سياق حراكه، او المتورطة في اجنداته، او المجندة خِفيَةً في منظوماته، وهذا الحال، هو اخطر ما تواجهه الامة حاليا خلال صراعها مع العدو الغاشم.
بالطبع، ما نقصده، لا ينحصر في صعيد الفتك والتقتيل الذريع بالأطفال والنساء والشيوخ، ولا على صعيد تهديم المنازل والقرى والمدن في بقاعنا، ولا على صعيد شن الحروب والحملات العسكرية المنظمة ضدنا، لا ليس على هذه الصعد فحسب، بل على صُعُدٍ أمَضَّ وأمضى خطورةً، وابلغ أثراً، وأوقع ضرراً في جسد مجتمعاتنا، ألا وهو خَلقُ مواطنَ قدمٍ منا وفينا وفي اوساطنا، تُؤَمِّنُ للعدو المَلاذات الآمنة، وتوفر له الجيوب الحاضنة، وتُسَخِّرُ له الألسنةَ التي يجادل بها عن نفسه، وتهيئ له الكتائب الشبابية والنسائية التي تنافح نيابة عن العدو، وهذا لعمري أقسى، وافدح، وأوجع ما نقاسيه ونعانيه يومياً.
المتأمل بعنايةٍ في أبعاد وتنوع أنماط الهجمات المُسَلَّطَةِ على مجتمعاتنا، يَلحَظُ دون ريبٍ، ان فوهات هذا الغزو لم تعد عسكريةً وحدها، بل جَنَّدَ فيها العدو إعلامَه، وأَعلَامَه، وكارتلاته، ومبرزيه، ومؤسساته، ومنظوماته، و(منظمات المجتمع المدني!!) التي زرعها في اوساطنا عنوةً، ومصطلحاته التي بثها في ادبياتنا جميعاً، حتى غدونا غرباء ليس على لغتنا وحسب، بل اصبحنا غرباءَ على تاريخنا وتراثنا وعاداتنا، حتى انفرط العقدُ فبتنا غرباءَ حتى على أبنائنا وبناتنا وأطفالنا وصغارنا، حيث تمكن الأعداءُ من (تجنيدهم! وسلبهم ، وتسخيرهم عقولاً موجهة، وكارتلاتٍ مُسَيَّرة، وطوابير خادمة، خامسة، وسادسة، وسابعة، ديدنُها الإذعانُ له، تُتيحُ له تفعيل ما يشاء، وتنفيذ ما يريد، عبر نطاقات بثه ومحتواه القاصد، وتفاهته الموجهة، وبغسيل العقول، وتنميط التربية، وتسفيه وتسطيح التفكير.
جُلُّ الخشية، وعظيم الخوف الذي ينتاب المصلحين، تلك الحجوم من الظفر البارد الذي حققه الأعداء في أوساط مجتمعاتنا، إذ نجحوا كما تقول الاية الكريمة (لو خرجوا فيكم، ما زادوكم إلا خبالا، ولأوضعوا خلالكم، يبغونكم الفتنة، وفيكم سَمَّاعون لهم).
فقد وضعوا فينا (أبناءنا وبناتنا)، ودسّوا فينا (منظمات المجتمع المدني!!) التهديمية الموجَّهة طبقاً لمراميهم، فزادونا خبالاً وتسطيحاً وتسفيها وتفاهةً بوسائلهم المختلفة (انترنيت، اطباق لاقطة، هواتف ذكية، مواقع التواصل الاجتماعي، ريلز، يوتيوب، انستغرام، تيك توك،….) والقائمة لا تنتهي.
وعظيم المصاب، انهم لم يكتفوا في استهداف شبابنا وحرفهم لهم، بل نجحوا نجاحاً منقطع النظير في تجنيد وسَوقِ نسائنا لتدمير ثوابتهن وعقائدهن وعاداتهن وتراثهن ، بل مفردات حياتهن اجمع، فغدونَ أسيراتٍ للهواتف والتابليت، ورهيناتٍ للريلز والبث المباشر، فمات الواجب، وتعملق الباطل، وشاعت التفاهة، وتفشى التسطيح، فباتت الغفلة سائدة، والإهمال سِمة، والحقُ منكراً، والباطل حاكماً، فصاروا وصرنا (لايتناهون عن منكرٍ فعلوه).
بل إن الادهى والأمَرَّ في كل ما نرصد، هو الهجمة المستهدفة بقوة لاطفالنا الصغار الذين لم يحسنوا النطق بعد، ولا بدأوا يدركون، حتى غابوا في غياهب (تعفن الادمغة)، وتشويه الفطرة، والغون في (المحتويات المدسوسة)، غارقون في رمال الأعداء المتحركة في الريلز واليوتيوب وافلام الكارتون الموجهة المغموسة بالرذالة والمغرقةِ بالمثلية وبالعري وبالإباحية المضمنة دَسَّاً ومكرا، وكذا باقي مواقع التواصل اللاجتماعي التدميري، إلا ما عصم الله.
ليس عصيّاً على من بقي من العقلاء، وثلة المصلحين، وثمالة الباقين من الواعين والواعظين، ان يكشفوا للمجتمع حجوم وابعاد هذه الحرب الشعواء الغبراء الحمراء الطاحنة التي قَلَّبَتْ جميعَ الأمور (لقد ابتغوا الفنتة من قبل، وقَلَّبوا لك الأمور).
ومؤكد ان اعظم الجهاد اليوم هو (جهاد التبيين) وشحذ همم الباقين، وتنبيه الغافلين، وتوجيه المدركين، وتذليل الصعاب امام السائرين في وعورة خطوط المواجهة، ليس العسكرية وحسب، بل في سائر خطوط المواجهة مع هذا العدو الشيطاني (اللوسيفري) (الابستيني) (الماسوني) الغاشم، الذي لم يترك (قوة)، ولم يغفل عن (رباط خيلٍ) في الإمكانات التقنية والسيبرانية والإلكترونية ناهيك عن التسليحية، إلا وسخرها جُندَاً مُجَنَّدَةً في أوار حربه الشعواء، وهجمته النكراء، وغيلته الغبراء هذه.
فهل سنشهد في القريب إنبلاج الحق (حتى جاء الحق، وظهر أمر الله، وهم كارهون)، ليس ذلك على الله ببعيد، (وسيعلم الذين ظلموا، أيَّ منقلبٍ ينقلبون)، و(يمكرون.. ويمكر الله، والله خير الماكرين).

وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ - الشرقية أون لاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار