مقالات وبحوث

عبقٌ علوي.. عند ضفاف الموعظة

قراءة في كتاب (ظلٌّ ظليل) للكاتبة رقية تاج

بقلم: سعد صاحب الوائلي

صدر مؤخراً عن (دار الكتاب ـ موزعون ناشرون) في كربلاء المقدسة، كتاب (ظلٌ ظليل) للكاتبة الواعدة (رقية تاج)، كنتاج أدبي ثالث لها.

الكتاب الذي كنا قد قدمنا له، يضم بين دفتيه، (255) صفحة، مُحَمَّلة بـ (37) محطةً نصية تتساوق مع حدثية اليوم، وهي مشحونةً بأثيرٍ من حكم أمير البيان أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، باديةً كألماعاتٍ تستضيء من الفيض العلوي الغامر، متمظهرةً بشكل بطاقات تذكرةٍ واعظة، ووصايا هادفة في مضمار تنمية الذات، وكنصائح إخوانية قُدِّمتْ بسلال ثمارٍ وجدانية.

ليصلك المزيد من الاخبار اشترك في مجموعتنا على واتس اب

الجهد النصي للكاتب (رقية تاج) يأتي في زمنٍ تتزاحم فيه الخطابات وتتشابه فيه الوعود، ليبرز كتابها (ظلٌّ ظليل) كمحاولةٍ جادة لإعادة الإنسان إلى مركزه الحقيقي، ألا وهو قلبه. لا بوصفه كعضوٍ بيولوجي، بل باعتباره مركز قرارٍ، ومصدرَ قيمة، وترسانة مُثُل، ومفتاح نجاة.
الكتاب، قد لا ينتمي إلى الوعظ التقليدي بقدر ما ينتمي إلى ما يمكن توصيفه بـ(الأدب الإرشادي)، حيث يقدم نصوصاً لأمير الكلام عليه السلام بقولبةٍ معاصرة، وكقراءة في الخزين الأخلاقي الثر لأهل البيت عليهم السلام، وبالخصوص موضوعة الالماعات العلوية، لتطرح فوق طاولة التعاطي ناهضةً في قِبال ما يواجهه الانسان المعاصر من إشكالات قائمة.

= القلب… من كيان روحي إلى سلعة في السوق
يفتتح الكتاب في واحدة من تأملاته المثيرة بسؤالٍ صادم:
“بكم تبيع قلبك؟”
هنا لا تتوقف الكاتبة عند حدود الاشتراط البلاغي، بل تمضي لتدلي دلوها بتفكيك واقعٍ معاصر مشوبٍ بالشتات، حيث بات الإنسان فيه مستعداً (دون وعيٍ منه) ليبيع قناعاته، مبادئه، بل حتى مشاعره، ليس في سوقٍ واحدة، بل في أسواق عِدّة، بعضها سياسي، وبعضها علاقاتي، وأخرى مصالحية، وبعضها بدافع الشهرة.
الكاتبة (تاج) سعت لوضع تصنيف لانواع القلوب ، فقلبٌ كريشة، وآخر من ذهب، مقدمةً ما يشبه (خريطة نفسية أخلاقية)، تتجلى فيها قيمة الإنسان، لا بحجوم ما يملك، بل بما تضمرهُ دواخله.

= الإمام علي (ع)… كأنموذجٍ عابرٍ للأزمان
الكتاب، لا يقدّم الإمام علي (عليه السلام) كشخصية تاريخية وحسب، بل يعرضه كنموذج إنسانيٍ شاملٍ يجمع بين مختلف الابعاد، والتي عجزت النظم الحديثة عن التوفيق في الجمع بينها، الأخلاق والسياسة، العاطفة والواجب، القوة والرحمة.
في نصوص (تاج) عروج لبعض مواطن الإحاطة العلوية في موضوعة (الدساتير) اللازمة للحكم، إذ إستحضرت شيئاً من الصور المُبهرة من (عهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر) حينما ولاه مصر، ليس بوصف هذا العهد واحداً من أرقى النماذج الدستورية في الحكم الأخلاقي وحسب، بل بكونه وصفة عدالةٍ مطلقةٍ مطروحةٍ أمام أيَّة سلطةٍ او متصدٍ لحكم، ليتحمل مسؤولياته، مقدماً رضا الله تعالى والناس على مصالح النخبة.
والسؤال الذي يتجسد هنا، هل فشلت السياسة نتيجة ما ينتابها من تعقيدٍ، أم لأنها تجافت عن البعد الأخلاقي ؟

= حين يغدو العطاء علماً
لعل واحداً من أبرز ما يقدمه الكتاب، هو محاولة تفكيك مفهوم (فعل الخير)، حيث لا يُنظر إليه بوصفه عملاً عفوياً فقط، بل باعتباره سلوكاً يحتاج الى وعي.
في ضوء مقولة الإمام علي عليه السلام:( لا يستقيم قضاء الحوائج إلا بثلاث: باستصغارها لتعظُم، وباستكتامها لتَظهر، وبتعجيلها لتهنؤ)، تُبنى هنا منظومة أخلاقية غاية في الدقة، فواعلها: إستصغار ما تبذله من معروف، وإخفاؤه ليضمن لك الإخلاص في الفعل، وتعجيله ليهنأ المنتفعون به، حينئذٍ يستحيل العطاء من فعل عاطفي إلى نظام أخلاقي ناجع.

= نقد هادئ .. لواقع مضطرب
لا يصرّح الكتاب بالنقد المباشر، فهو يبعثُ إشارات تعكس طبيعة تعاطينا مع أزماتنا المعاصرة، ليس أولها تضخم (الأنا)، والتعريج على (مسلكية الإستعراض)، ومروراً بـ(التملق الاجتماعي)، ولا تنتهي بـ(انهيار معايير الكفاءة)، فالكاتبة استحضرت واحدة من أبين الصور دلالة، حينما تشبه حال العديد من الناس وكأنما هم يدخلون (منجم ذهب)، غير أنهم يخرجون منه بحقائب فارغة معنوياً، لإنشغالهم بجمع ما يلمع، لا ما ينفع.

= في خضم (علم النفس).. قراءة في دواخل النفوس
في استثمار لوذعي، للحكمة العلوية، (ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه)، يقدم الكتاب قراءة قد تقترب مما يُعرف اليوم بـ(الذكاء العاطفي)، حيث تصبح الكلمات وتعابير الوجه مرآة للداخل، ويغدو إصلاح النفس شرطاً لإصلاح العلاقات مع الاخرين، شريطة ان تكون لديك المقدرة على فهم حقيقة مشاعرك، وبالتالي مناغمتها مع مشاعر الآخرين، وإدارتها بوعي لإنجاح العلاقة مع الاخر.

= بين المثالية والواقع
يبدو واضحاً أن الكتاب إقتصر على إتخاذ المرجعية العلوية منهاجاً، ما قد يحد من انتشاره خارج دائرة المهتمين بالتراث الإسلامي، غير أنَّ ما يطرحه من قيم ومثل، العدالة، الصدق، الكرامة تتيح له ان يبقى قرطاساً يعوده الكثيرون للانتهال منه كتذكرةٍ يومية للقيم الإنسانية العامة.
عموماً، الكتاب، وان لبس لبوس الطابع الوعظي في بعض مواضعه، إلا ان ذلك لم يفقده قوة النص، ولا أروقة البلاغة، ليمنح القارئ دفئاً إنسانياً يفتقده الكثيرون في خطابنا المعاصر المتسارع.

= لماذا قد نحتاج لمثل هذا الكتاب في خضم حياتنا؟
الانفجار المعرفي، والسيل النصي يطبقان على وقت المتلقي في حياتنا المعاصرة، غير ان هذا الفيضان المعرفي يعتريه فقدان للمعاني في أحيان، ليتجلى تساؤلٌ ناهض امام الانسان: كيف يمكنني العيش حياة تستحق أن تُعاش؟، ولعل (ظلٌ ظليل) يسهم بتوفير إجاباتٍ مبتسرة وبسيطة، غير انها ذات دلالات عميقة مبدأها القلب، فهناك يبدأ كل شيء.

على اية حال، الكتاب جديرٌ بالقراءة المتأنية، لأنه دوِّنَ لترطيب القلوب، لا لمعانٍ تتصفحها العيون وحسب.

(البطاقة الرسمية للكتاب: ظلٌ ظليل، رقية تاج، التصنيف: الادب الوعظي، تنمية الذات، دار الكتب /موزعن ناشرون، العراق، كربلاء، الطبعة الأولى 2026 م -1448 هـ).

سيرة اهل البيت عليهم السلام - الامام علي عليه السلام - Wattpad

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار