مقالات وبحوث

جريمة هدم قبور البقيع .. مسح للذاكرة النبوية

اكرم كامل الخفاجي

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآل محمد

أعتذر مقدماً عن محاولة التنبيه إلى أمر بديهي يُفترض أن الجميع يسلّم به كالعِلم .. لكن واقعنا اليوم يضطرنا أحياناً إلى التذكير بالبديهة ، وأحياناً إلى بذل الجهد لإقناع البعض بالمسلّمات.

ليصلك المزيد من الاخبار اشترك في مجموعتنا على واتس اب

فنحن نعاني من الاحتباس الحضاري بسبب تلوث الأخلاق، وزيادة في ثاني أوكسيد الحماقة، وارتفاع بدرجات الجهل.

وعذراً لإحتداد مقدمتي لأني اكتب عن حادثة هدم قبور أئمة البقيع (عليهم السلام)، وهي حادثة أقل ما يقال عنها إنها نتيجة الجهل في فهم الحضارة الإسلامية بوجهها الصحيح.. فلا تخف من الشخص الذي لا يقرأ، وإنما إحذر من الشخص الذي لا يفهم ما يقرأ.. فالشهادة تُثبت انكَ متعلمٌ، لكنها لا تُثبت أنكَ تفهم.. وهو ما عليه القوم!

فأحياناً يكون المظهر الخارجي لأولئك القوم على شكلِ إنسانٍ، ولكن المحتوى لديهم حديقة حيوانات.

يقول الإمام الحسن (ع): الشاة أعقل من أكثر الناس، تَنزجر بصياح الراعي عن هواها، والإنسان لا ينزجر بأوامر الله ورسوله.

فماذا اقول عن الذين دنّسوا أرض البقيع؟.. أقول أولئك يحملون رؤوساً لايستفاد منها الاالحلاّق، أما في باطنها فجهلٌ تَستنكفُ الجيف ان تُضارعها.

فكل شيء إذا كثر رخص، إلا العقل إذا إزداد غلا.. سوى أولئك القوم الهادمون فيفعلون العكس، فتأمل!

لما تسمع أو تقرأ لأي إمام من أئمة الهدى (عليهم السلام) فأنتَ لا ترى كلمات وإنما تسمع صوت الإيمان، أو رحلة تهتدي بها في طرق الحياة.. ولا ينبغي لنا إلا البحث عنهم والاهتداء بهديهم.

يقول الإمام الباقر (عليه السلام): من أصبح يجدُ بردَ حُبنا على قلبه فليحمد الله على بادئ النِعم. قِيل: وما بادئ النعم؟ قال: طِيب المولد.

ولو تتبعنا القرآن الكريم ـ كمسلمين ـ لرأينا أنّ القرآن الكريم يعظّم المؤمنين ويكرّمهم بالبناء على قبورهم ـ حيث كان هذا الأمر شائعاً بين الأُمم التي سبقت ظهور الإسلام ـ فيحدّثنا القرآن الكريم عن أهل الكهف حينما اكتُشف أمرهم ـ بعد ثلاثمّائة وتسع سنين ـ بعد انتشار التوحيد وتغلّبه على الكفر.

ومع ذلك نرى انقسام الناس إلى قسمين: قسم يقول: ﴿… ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً…﴾ تخليداً لذكراهم ـ وهؤلاء هم الكافرون ـ بينما نرى المؤمنين ـ التي انتصرت إرادتهم فيما بعد ـ يدعون إلى بناء مسجد على الكهف، بجوار قبور أُولئك الذين رفضوا عبادة غير الله؛ كي يكون مركزاً لعبادة الله تعالى.

فلو كان بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها علامة على الشرك، فلماذا صدر هذا الاقتراح من المؤمنين؟! ولماذا ذكر القرآن اقتراحهم دون نقد أو ردّ؟! أليس ذلك دليلاً على الجواز، ﴿… قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾.

فهذا تقرير من القرآن الكريم على صحّة هذا الاقتراح ـ بناء المسجد ـ ومن الثابت أنّ تقرير القرآن حجّة شرعية.

إنّ هذا يدلّ على أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين في العالم كلّه كانت جارية على البناء على القبور ، وكان يُعتبر عندهم نوعاً من التقدير لصاحب القبر، وتبرّكاً به لما له من منزلة عظيمة عند الله، ولذلك بُني المسجد وأصبحت قبور أصحاب الكهف مركزاً للتعظيم والاحترام.

ومازالت هذه الحالة موجودة حتّى في وقتنا الحاضر لقبور العظماء والملوك والخالدين، فهل توجد أخلد وأطهر من ذرّية رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً؟

وكان النبي (ص) يقصد البقيع، ويؤمه كلما مات أحد من الصحابة ليصلي عليه ويحضر دفنه.. وقد يزور البقيع في أوقات أخرى ليناجي الأموات من أصحابه.

وقد روى مسلم في الصحيح عن عائشة أنها قالت: (كان رسول الله (ص) كلما كانت ليلتي منه يخرج من آخر الليل الى البقيع فيقول سلامٌ عليكم دار قومٍ مؤمنين، واتاكم ما توعدون، وإنا أن شاء الله بكم لاحقون، اللهم أغفر لأهل بقيع الغرقد).

وحدّث محمد بن عيسى بن خالد عن عوسجة قال: (كنت أدعو ليلة الى زاوية دار عقيل بن أبي طالب التي تلي الباب، فمر بي جعفر بن محمد – يعني الإمام الصادق (ع) – فقال لي أعن أثر وقفت ها هنا؟ قلت لا، قال هذا موقف نبي الله (ص) بالليل إذا جاء يستغفر لأهل البقيع).

وروى الطبراني في الكبير ومحمد بن سنجر في مسنده وابن شبّة في أخبار المدينة عن أم قيس بنت محصن، وهي أخت عُكاشة، أنها خرجت مع النبي (ص) إلى البقيع، فقال: (يُحشر من هذه المقبرة سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وكأن وجوههم القمر ليلة البدر). فقام رجل فقال: يا رسول الله، وأنا. فقال: (وأنت)، فقام آخر فقال: يا رسول الله، وأنا. قال: (سبقك بها عُكَّاشة)، قال: قلت لها: لِمَ لم يقل للآخر؟ قالت: أراه كان منافقاً.

وروى ابن شبّة عن أبي موهبة مولى رسول الله (ص) قال: أهبَّني رسول الله (ص) من جوف الليل، فقال: (إني أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي)، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: (السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنَ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلتِ الفتنُ كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى) ، ثم استغفر لهم طويلاً.

ثم قال: (يا أبا موهبة، إني قد أوتيتُ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي ثم الجنة)، قلت: بأبي وأمي خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال : (لا والله يا أبا موهبة، لقد اخترت لقاء ربي ثم الجنة).

ثم رجع رسول الله (ص) فبدأ به وجعه الذي قبض فيه.
قام الوهابيون بتهديم قبور بقيع الغرقد مرتين:

الأولى: عام 1220 هـ ، وكانت الجريمة التي لا تنسى عند قيام الدولة السعودية الأولى، حيث قام آل سعود بأول هدم للبقيع، وذلك عام 1220 هـ، وعندما سقطت الدولة على يد العثمانيين أعاد المسلمون بناءَها على أحسن هيئة من تبرعات المسلمين، فبنيت القبب والمساجد بشكل فنيّ رائع، حيث عادت هذه القبور المقدسة محط رحال المؤمنين.

الثانية: عام 1344هـ، حيث عاود الوهابيون هجومهم على المدينة المنورة مرة أخرى في عام 1344هـ، وذلك بعد قيام دولتهم الثالثة، وقاموا بتهديم المشاهد المقدسة للائمة الأطهار (عليهم السلام) وأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد تعريضها للإهانة والتحقير بفتوىً من وعّاظهم.

فأين جريمة هدم القبور إذا فهمنا ما هو الإمام؟ وكيف تكون روحه؟ وكيف تكون قبورهم إذا طالها الهدم؟

فعندما نُعطي الأئمة (عليهم السلام) المكانة الأولى في حياتنا تأخذ الأشياء الأخرى مكانها الصحيح.

آه يا بقيع الغرقد: أما آن لدموع الشيعة أن تروي عطش قبوركم؟ فقد ظلمت القبور فظلمت النفوس، ووحشة المكان تعكس وحشة القلوب.

نزلَ الدمارُ بها وغابَ جميلُها
كم كان َ سِحراً فجرُها وأصيلُها
تلك المنازلُ يا لـــها مِن آيــةٍ
طابتْ وطاب َ ترابـها ونزيــلُها

ولنعم ما قال الشاعر :

قل للذي أفتى بهدم قبورهم
أن سوف تصلى في القيامة نارا
أعلمتَ أيّ مـراقد هـدمـتـها
هي للمــــــلائك لا تزال مـــزارا
وَصَلّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَأهلِ بَيتِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرينَ.

فيديو وصور، ذكرى راميم قبور الضحايا مأساة تتجدد مرارتها - قناة الاخبارية العالمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار