مقالات وبحوث
الحرب الأميركية الإسرائيلية، بين (نصر التصريحات!) وانضباط ايران الاستراتيجي

سعد صاحب الوائلي
في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق من طرف إميركا واسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تنهال التصريحات من واشنطن بجملةٍ من التناقضات التي تكشف عن مأزقٍ جيواستراتيجيٍ واضح، في مقابل انضباطٍ استراتيجي إيراني يُراهن على الجغرافيا والردع الشامل، وإحتواء الألم والخسائر في الميدان.
ففي مشهد يشي بوجود مظاهر ارتباكٍ أميركيٍ ملموسة، باعِثُهَا تعددُ التصريحات والتصريحات المتناقضة. بالأمس خرج الرئيسُ الأميركي دونالد ترامب على هامش مؤتمر صحفي تزامن مع تعيين وزير جديد للأمن القومي، ليعلن أنه “دمّر كل شيء في إيران”، وانَّه “إغتال جميع القيادات في ايران”، ليعودَ بعد برهة ليؤكد أن “كوشنير وويتكوف وروبيو يجرون حالياً مفاوضاتٍ مع أشخاصٍ مناسبين في إيران”.
ليصلك المزيد من الاخبار اشترك في مجموعتنا على واتس اب
هذا التناقض الصادر عن أعلى مستوى أميركي لا يشير فقط إلى خلل في سردية البيت الأبيض، بل يعكس حجم الأزمة الاستراتيجية العميقة هناك. فكيف يمكن إدعاء النصر!، وانه تم “تدمير الدولة الإيرانية”، وبذات الوقت، تتم الإشارة الى وجود تفاوضٍ مع اطراف وصفهم ترامب بـ(المناسبين) في الداخل الإيراني؟
بكل حال، الأرقام والتطورات الميدانية مازالت هي سيد الموقف، وما برحَتْ الصواريخُ الإيرانيةُ هي صوت المفاوض الإيراني الوحيد الذي يُسمعُ صداه في جغرافية الحرب، والمسيرات الانقضاضية الإيرانية هي التي تضع النقاط على الحروف في سجال هذه المعمعة.
مراقبون صنَّفوا مباهاةِ واشنطن بـ” تدمير أكثر من 9 آلاف هدف عسكري في ايران”، وأنباء قرب إرسال الفرقة الاميركية (82 ) المحمولة جواً لتنفذ إنزالاً جوياً في الجزر او الأراضي الإيرانية، وصفوها بمثابة قعقعةٍ لا تكفي لإستجلاب النصر.
عموماً ، ها نحن على اعتاب انطلاق الموجة الصاروخية الـ80 من سلسلة الردود الإيرانية على جغرافية المعتدي ، وأبعادُ المشهد تعكسُ حجمَ إصطبارٍ إيرانيٍ تاريخي في خضم حرب الاستنزاف المفتوحة هذه.
واضح، أنَّ واشنطن لم تَدَّخِرْ أيَّةَ فرصةٍ للتصريح بأنَّها هي من كسبت جولة الحرب بتدميرها للقدرات الإيرانية، وبذات الوقت تشير الى “ان هناك مساعٍ واصواتٍ إيرانية تطلب وقف الحرب”، وأنّ طهران قدمت “تنازلاتٍ كبرى بقطاع النفط والغاز لواشنطن !” غير ان ترامب لا يريد التصريح بها.
وبالطبع، ليس يُدرى ما المرامي التي يريدها ترامب من وراء هذا الكم من التصريحات المتناقضة التي تعكس ـ ربما ـ فشلاً في (سياسة الضغوط الأميركية القصوى) ضد ايران، التي بدورها لا تأبه قيادتُها الجديدةُ لسياسة الضغوط هذه، لا من قريب ولا من بعيد.
ومع اتساع مساحة المستنقع الذي ولغ فيه ترامب، تتضح أبعاد المأزق الأميركي جلية، فإذا ما لجأ الرئيس الاميركي لتنفيذ تهديداته بإنزالٍ بريٍ في الجغرافية الإيرانية، او داخل ضفافها على الخليج او خليج عُمان، فقراءات الخبراء تشير الى أن أيَّ إنزالٍ لقواتٍ أميركيةٍ على الشواطئ الإيرانية أو في جزيرة خرج ـسيكون بمثابة ” إنتحارٍ طويل الأمد”.
فالجغرافيا الإيرانية ليست مجرد تضاريس وحسب، بل هي عقيدة دفاعية، تمرّن عليها الحرس الثوري وقوات البسيج لمدة تزيد على أربعة عقود. فجزيرة (خرج) تمثل العصب الاقتصادي الأهم لإيران، وهي محاطة بشبكةِ دفاعٍ متكاملة من الألغام البحرية والزوارق السريعة والصواريخ والمسيرات، سَتُحِيلُ أيَّةَ مغامرة لاحتلال الجزيرة فخاً مدمراً.
ولعل الخطورة الحقيقية تكمن في المعادلة الإيرانية المعلنة: “إما أن يمر كل نفط المنطقة، أو لن يمر أي برميل”. فهذا المنطق يعني أن أي مساسٍ بالعُقد السيادية الإيرانية سيفجر عقيدةَ ردعٍ إيرانيةً شاملة، ستغير مسار الحرب من مواجهةٍ محدودة إلى سلسلة إنهياراتٍ في منظومات الطاقة العالمية.
وبالتعريج على خانق المأزق الراهن، فإغلاق مضيق هرمز ليس مجرد رد فعل إيراني على مغامرة عسكرية أميركية إسرائيلية، بل غدا بمثابة زلزالٍ اقتصاديٍ فادحِ الأثر في سلاسل التوريد العالمية، حتى طالت آثارُهُ أوروبا البعيدة، قبل ان تطالَ بلدانَ المنطقة القريبة.
وبتمعن، تبدو معالم (الانضباط الاستراتيجي) لدى الإيرانيين صفةً فارقة. فطهران التي أحتكمت لقاعدة (العين بالعين) بادئ الامر، أعلنت انها غادرتها الى قاعدة (الرأس مقابل العين)، في مسعىً لتحسين موقفها التفاوضي القادم متسلحة بأن أي وقفٍ لاطلاق النار يتوجب ان يكون شاملاً ، لا مؤقتاً.
ويبقى التساؤل القائم، هل ستلتزم اميركا وإسرائيل بسقف التصعيد المنضبط، أم أن حماقة ترامب وتهور وزير حربه ومغامرتهم العسكرية غير المحسوبة العواقب ستقودان المنطقة نحو كارثة اقتصادية عالمية، وستتبدد طموحات ترامب بتحقيق نصرٍ يتجاوز (نصر التصريحات!)، ليغدو ذلك النصر أمراً بعيد المنال.






