مقالات وبحوث
طهران تفرض قواعد اشتباك جديدة.. وترامب بين التهديد والتراجع

سعد صاحب الوائلي
في مشهد يعكس حالة التخبط التي تميز السياسة الأميركية إزاء الملف الإيراني، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال اليومين الماضيين وكأنه يكتب سيناريو تناقضات حية على الهواء. فبعد أن منح إيران مهلة قاسية مدتها 48 ساعة لفتح مضيق هرمز، مهددا بـ(محق كل منشآت الطاقة الإيرانية)، عاد بعد برهة ليعلن تأجيل (جميع الضربات ضد محطات الطاقة الإيرانية لمدة 5 أيام)، متحدثا عن محادثات مع طهران وصفها بـالـ (جيدة ومثمرة للغاية).
ليصلك المزيد من الاخبار اشترك في مجموعتنا على واتس اب
الايرانيون من جانبهم، لم يعلنوا شيئا بهذا الصدد حتى الساعة، غير ان ما يبدو من واقع التصرفات الاميركية والاسرائيلية ان ترامب رضخ لمسلكية تراجع سريع وواضح، فتهديده الاول لم يدم سوى سويعات، ليعود ويتراجع عنه، وبالطبع هكذا كان ديدن معظم تصريحاته التي عرف القاصي والداني حجم التناقض الصارخ فيها. ولعل كل ذلك يرسم صورة لترامب ليست فقط تشي عن حالة ارتباك في غرفة القرار الأميركي، بل أيضا عن شبه رضوخ لطبيعة المعادلة الجديدة التي فرضتها إيران على الأرض، تلك المعادلة التي بدت مرتكزةً على عقيدة عسكرية غير مسبوقة، وإرادة صمود لم تترك لواشنطن وتل أبيب خيارات واضحة.
بكل الاحوال، لم تكن طهران تأبه لتوتيرة التصعيد في اللهجة الترامبية، بل واصلت مسلسل تصعيدها مع كل تصعيدٍ اميركي واسرائيلي في سياق هذه الحرب التي فُرضت عليها بالقوة. فهي لم تكن ترد بالكلمات، بل بوقعٍ جديد جسَّده سقوط صواريخها المتطورة على مقربة 13 كيلومتر فقط من قلب اسرائيل النووي مفاعل ديمونة، إذْ استهدفت بصاروخ فتاح اثنين تجمعا كبيرا لمبرزين من العلماء النوويين الاسرائيليين كانوا في تجمع بمبنى قريب من ديمونة.
الحرس الثوري الايراني، كان قد رد على تهديدات ترامب، ببيان حازم مفاده ان العين بالعين والسن بالسن والرد بالمثل سيكون جواباً على أي استهداف لقطاع الطاقة الإيرانية، مشددين ان الرد سيطال جميع (محطات توليد الكهرباء الإسرائيلية، الى جانب جميع المحطات التي تزود القواعد الأميركية بالكهرباء في المنطقة).
ولعل ما يشير الى حجم التحول في العقيدة العسكرية الايرانية ما اعلنه قائد مقر خاتم الأنبياء الايرانية من ان القوات المسلحة الإيرانية قد انتقلت بالفعل من منهجية الدفاع الى منهجية الهجوم، مع اعتماد تعديلات تكتيكية جديدة في ساحة المعركة الى جانب إدخال وسائل قتالية متطورة كجزء من هذه الاستراتيجية الجديدة، في اشارة ضمنية لصواريخ (رستاخيز) و(فتاح 2) و(خرمشهر 4) و(نصرالله) الفرط صوتية.
هذا التحول، جاء عقب تجدد استهداف المنشآت النووية الايرانية في نطنز وأصفهان من قبل اميركا واسرائيل، حيث كان الرد الايراني جليا عند (عراد) بمشارف مفاعل ديمونة، في رسالة واضحة من طهران بقدرتها على توجيه ضربات دقيقة تمس العمق الإسرائيلي الاستراتيجي.
اسرائيل، وفي سابقة منذ بداية الحرب سارعت بالسماح للرقابة العسكرية بنقل صور الاضرار في ديمونة وعراد، في وقت غابت مثل تلك التغطيات الاعلامية عن مشاهد الاستهدافات الايرانية السابقة لمدن رئيسة كتل ابيب وحيفا. ويبدو ان اسرائيل ترجو من هذه التغطية الاعلامية المباشرة كسب واستعطاف الرأي العام العالم والاوروبي من ان طهران تستهدف البنى المدنية، في مسعى للتشويش على مغزى رسالة طهران الاستراتيجية البالغة الحساسية بكونها باتت قادرة على توجيه ضرباتها إلى قلب المنشآت النووية الإسرائيلية، وخواء جميع قبب الردع والحماية المليارية التي يفترض ان تؤمن الحماية لمثل تلك المنشآت الاستراتيجية الكبرى.
على اية حال، مازالت اوروبا والعالم يلمسون بواقع جلي حجم التناقض الفاضح في التصريحات الاميركية، ففي الوقت الذي يهدد فيه ترامب بسويعات قبل ان يلحق الطمس بجميع المصالح الايرانية والبنى التحتية المدنية، نراه يعلن بعد سويعة، من ان (اللعبة شارفت على الانتهاء) ثم يثلث بتصريح اخر يمدد فيه زمن التهديد لـ(5) ايام، ثم يفاجئ الجميع بان (واشنطن وطهران عقدتا محادثات ـ جيدة ومثمرة للغاية ـ على مدار اليومين الماضيين للتوصل لحل كامل لحالة العداء مع إيران).
وبقراءة متأنية فإن ابعاد المشهد الأميركي، يبدو فيه ترامب كمن يريد استعراض العضلات دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، ولعل هذا التناقض الصارخ في التصريحات المتتالية يعكس حجم تخبط البيت الابيض حيال هذه الحرب التي أججها ترامب بِحَثٍّ من نتنياهو دون وضوحٍ في جردة اهدافها، ودون ادنى قراءةٍ مسبقة لواقع حجوم التحديات والعواقب الناشئة عنها، مع تجاهلٍ وغباءٍ سياسيٍ مفرط في معرفة حجم قدرات الخصم وابعاده الجيوسياسية وتأريخه الحضاري الذي يرفض الاستسلام كما يطالب هو، حتى فاق مذهولاً لما يراه من صبرٍ إستراتيجي، وتعاطٍ ذكي من لدن القيادة الايرانية الجديدة التي قتل ترامب كل اعضاءها القدماء، حتى بات يتخبط حاليا لا يدري مع اية جهة من ذوي الشأن يتحدث في قضية ايقاف حربه الظالمة على الايرانيين.






