مقالات وبحوث

تقرير عن المفاوضات الأمريكية الأيرانية

اعداد / الباحث الأكاديمي “عمر الأعرجي”

 المقدمة:

​إن ما تمر به المنطقة اليوم من حوادث دولية وإقليمية، وتوتر في العلاقات بين أمريكا وإيران، كان يتضمن تهديداً مباشراً من قبل أمريكا في حال حصل قمع للمتظاهرين. علماً أن العلاقة مع إيران تشهد قطيعة تعود إلى عام 1980، إثر قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية وحجز الأصول الإيرانية بعد سقوط حكم الشاه عام 1979. وتُظهر الشواهد التاريخية في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، خاصة ما يخص الرهائن الأمريكيين، أن “الفقيه” وضع أربعة شروط لتحريرهم، وهي: إعادة ثروة الشاه، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة، وإلغاء المطالب الأمريكية بالحصول على تعويضات، والتوقف عن التدخل في شؤون الجمهورية الإسلامية الداخلية.

ليصلك المزيد من الاخبار اشترك في مجموعتنا على واتس اب

​وفي 19 يناير 1981، جرى التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران بوساطة جزائرية. ومنذ سقوط حكم الشاه، سادت العدائية والهجمات بين واشنطن وطهران، وحتى في المفاوضات لم يكن الوصول إلى حلول ممكناً بسبب المشاحنات والتصعيد المستمر. والآن، جرت مفاوضات بشأن ملفات ذات أهميةه بالنسبة للإيرانيين، وصفها الطرفان بأنها إيجابية، لكن هناك نوع من التناقض بشأن الملفات؛ فهل ستكون هناك حلول؟ أم أن هناك ضغوطاً من قبل إسرائيل على الرئيس الأمريكي لعدم الوصول إلى حلول؟

سوف نتناول في التقرير عدة محاور..

المحور الأول: الملفات الحاسمة هل تُحسم؟

​تعد الملفات الإيرانية من الملفات الحساسة والمهمة، حيث تسعى الولايات المتحدة لإضعاف قدرات إيران من خلال مفاوضات البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم. ومنذ عام 2004، أصبح البرنامج النووي الإيراني محور التوتر الأساسي؛ حيث دخلت إيران في مفاوضات مع “الترويكا الأوروبية” (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا)، فيما بقيت الولايات المتحدة خارج غرفة التفاوض رسمياً، لكنها كانت حاضرة في الخلفية عبر التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين.

​ومع انتخاب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد عام 2005، واصلت الولايات المتحدة سياسة العقوبات والضغط الدولي، فيما رفضت طهران أي تفاوض مباشر مع واشنطن، مؤكدة أن الحوار يجب أن يكون على أساس الندية ورفض الإملاءات. ومع نهاية العقد الأول ووصول الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض عام 2009، أعلنت واشنطن تبني نهج “الانخراط الدبلوماسي”. وفتحت “القناة السرية” في مسقط بين عامي 2012 و2013 محادثات ثنائية سرية بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين، هدفت إلى اختبار إمكانات التسوية، وهو ما وصفته “رويترز” بأنه مسار جرى التكتم عليه بعناية وساهم في تهيئة الطريق لتفاهمات لاحقة.

​فتح هذا الاتفاق الباب أمام مفاوضات أعمق انتهت في 14 يوليو 2015 بتوقيع “خطة العمل الشاملة المشتركة” (الاتفاق النووي) بين إيران والقوى الكبرى، وحظي الاتفاق بغطاء دولي عبر قرار مجلس الأمن 2231. لكن في عام 2018، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق، وأعاد فرض عقوبات واسعة، مما أدى إلى انهيار المسار التفاوضي المباشر وعودة التواصل إلى المربع الأول.

​استعادت قنوات الوساطة دورها، ولم تقتصر على سلطنة عمان بل شملت أطرافاً أخرى مثل قطر، التي لعبت دوراً في نقل الرسائل، خصوصاً في ملفات تبادل السجناء وخفض التوتر العسكري. وطرحت إدارة ترامب فكرة التوصل إلى اتفاق جديد أوسع نطاقاً، وهو ما رفضته طهران مشترطة رفع العقوبات. وفي هذا السياق، تحولت العقوبات الاقتصادية وسياسة “الضغط الأقصى” إلى محور رئيسي؛ إذ ربطت واشنطن تخفيفها بتغيير السلوك الإيراني، فيما اعتبرتها طهران أداة ابتزاز سياسي.

​كما برز الدور الإقليمي لطهران كقضية خلافية أساسية، أصرت الولايات المتحدة على إدراجها في أي تفاوض محتمل، بينما رفضت إيران بحثها باعتبارها شؤوناً داخلية. وتصر إيران أيضاً على استبعاد برنامجها الصاروخي من التفاوض متمسكة به كشأن سيادي. ومع وصول إدارة جديدة عام 2021، استؤنفت الجهود لإحياء الاتفاق النووي في فيينا بجولات تفاوض غير مباشرة، حيث تولى دبلوماسيون أوروبيون نقل المقترحات بين الوفدين.

​فشلت مفاوضات منتصف عام 2025 في روما ومسقط، والتي طالبت فيها إيران برفع العقوبات والتعويض عن الضرر الاقتصادي، ولم يتم تحقيق نتائج ملموسة، وتوقفت المفاوضات عقب التوتر العسكري الذي استمر 12 يوماً بين إيران وإسرائيل. ومع بداية عام 2026، جرى التحرك لإجراء مفاوضات جديدة في مسقط بتاريخ 6 فبراير 2026، ترأس فيها الوفد الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي، وضم الوفد الأمريكي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بالإضافة إلى قائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر.

​وُصفت المفاوضات بأنها إيجابية، لكن الخلافات لا تزال قائمة؛ إذ أكد عراقجي أن بلاده لن تتخلى عن تخصيب اليورانيوم. وأعلن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي أن طهران مستعدة لتخفيف نسبة التخصيب إذا رُفعت العقوبات. ومع ذلك، تشير المصادر إلى أن المفاوضات لم تصل للنتائج المطلوبة، خاصة مع تصريحات ترامب واجتماعه المطول مع نتنياهو، مما يعزز سيناريو الضغط الإسرائيلي. وقد أشار ترامب في تغريدة له بأن “أفضل شيء هو تغيير النظام في إيران”، مما يعكس عدم رغبته في الوصول إلى حلول وسط، وإصرار كل طرف على شروطه دون تنازل، مما ينذر بحدوث اصطدام.

​المحور الثاني: أزمة الثقة بين الطرفين

​توجد أزمة ثقة عميقة بين الأطراف؛ فعدم الثقة في الوفاء بالالتزامات يحول دون الوصول إلى نتائج ملموسة ويصعد التوتر. وهناك شواهد تاريخية على عدم تحقيق بنود الاتفاقات السابقة. وأشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مؤخراً إلى أن انعدام الثقة لا يزال عميقاً رغم استئناف المحادثات في عمان، مشدداً على ضرورة وجود “جدية” من الطرف الآخر.

​هذه المعطيات تشير إلى عدم توافق، خاصة مع الإصرار الإيراني على عدم تقليل تخصيب اليورانيوم والتمسك بالحقوق النووية لأغراض سلمية، مقابل إصرار الطرف الآخر والتدخلات الأوروبية، مما يفقد العملية التفاوضية المرونة المطلوبة.

​المحور الثالث: المفاوضات وفق أي نظرية؟

​من خلال المؤشرات الحالية، يتضح أن الطرفين يتعاملان وفق نظريات صدامية:

​نظرية اللعبة والردع الحديث: حيث يتم التفاوض عبر التهديدات العلنية وأوراق الضغط الميدانية.

​نظرية “حافة الهاوية” (Brinkmanship): وهي استراتيجية دفع الأحداث إلى أقصى حدود الخطر (مثل التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو رفع التخصيب) للحصول على مكاسب تحت ضغط الخوف من الحرب.

​النظرية الصفرية: التي تقوم على مبدأ “أكون أو لا أكون”، وهذا يعكس انطباعاً سلبياً عن مسار المفاوضات.

الخاتمة والتوصيات:

​من خلال قراءة الحالة بين إيران والولايات المتحدة، يتضح عدم الانسجام وغياب الدبلوماسية المرنة، مما يصعد التوتر. إصرار كل طرف على شروط يراها الآخر إضعافاً لمقوماته يؤدي إلى تصادم وتنازع قد يتحول إلى هجوم متبادل في المنطقة.

​التوصيات:

​الذهاب إلى دبلوماسية مرنة تساعد في حل التوتر والتصاعد المستمر.

​البحث عن حلول تضمن استمرارية بقاء قوة الدولة الداخلية لكلا الطرفين.

​تعزيز العلاقات الإقليمية والدولية لتفعيل الوساطات التي تساعد في تقريب وجهات النظر.

​إمكانية التنازل عن بعض الشروط غير الجوهرية لضمان بناء الثقة مستقبلاً.

​ضمان استقرار النظام السياسي الإقليمي والدولي عبر الابتعاد عن التشدد الكلامي والتوجه نحو استراتيجيات طويلة المدى.

ما المحتمل من مفاوضات أمريكا وإيران في عُمان؟ | القاهرة الاخبارية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار