مقالات وبحوث

مشهدُ في القلبِ.. أم القلبُ في مشهد؟

اكرم كامل الخفاجي

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد.

خاطرة رقيقة كنسمةٍ لطيفةٍ هبّت من معدن الأنس لتسامرَ قلباً والهاً فيطيرُ القلبُ حاطًّاً رحاله عند أعتاب ضريح الإمام الرضا (ع) ، ساجداً في محضر السلطان (صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين) .

يا سيدي : مازال الشوق يكبر بداخلي كل صباح فأقول متى أُقبّل أعتابك .. فعشق الرضا (ع) أغرقني اشتياقاً.. فمن في حب الرضا قد يلامُ ؟!
يا مولاي : ليتني أتنفس أنفاس ضريحك وأغمض عيني عندك .. فكلما ضاق صدري أتنفس ضريحك ، فقمة الحزن أن تشتاق لشخص ولا تقدر أن تأتيه أو لا تستطيع الذهاب إليه .. فليست الحياة بعدد السنين ولكنها بعدد المشاعر .. ولأن الحياة ليست شيئاً آخر غير شعور الإنسان بالحياة .. فما أجمل البوح من صدر صادق بأمل السكن في روضة جنان الرضا (ع) .

يا سيدي : لو تُختصر سنوات عمري بسجدة واحدة لجعلتها سجدة شكر على أرضية ضريحك وكلي فخرٌ بذاك .
عن الإمام الرضا (ع) : أن العبادة على سبعين وجهاً فتسعة وستون منها في الرضا والتسليم لله عز وجل ولرسوله ولأولي الأمر (صلى الله عليهم) .
ويقول (ع) : إن الإمامة أجلّ قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم .
فيا سيدي ومولاي أيها الرضا (ع) : فإذا كانت عقولنا وآراؤنا لا تستوعب أي شأن من شؤون الإمامة .. فأستميعكَ عذراً إن تكلمت عن الإمامة العلوية التي تسنّمتها عند ولادتك ، بما يُمليه عليّ قولكم .. لأن كلام المعصوم معصوم الكلام .
بشّر به أبوه قبل ولادته ، حيث كان اﻹمام الكاظم (ع) يقول لبنيه : (هذا أخوكم علي الرضا عالم آل محمد (ص) فاسألوه عن أديانكم واحفظوا ما يقول لكم فإني سمعت أبي جعفر بن محمد غير مرة يقول لي : إن عالم آل محمد لفي صلبك وليتني أدركته فإنه سمي أمير المؤمنين علي) .

أما أمه السيدة الجليلة (تكتم) فتقول : “لما حملت بابني علي لم اشعر بثقل الحمل وكنت اسمع في منامي تسبيحاً وتهليلاً وتمجيداً من بطني فيفزعني ذلك ، فإذا انتبهت لم اسمع شيئاً ، فلما وضعته وقع على اﻷرض واضعاً يده على اﻷرض رافعاً رأسه إلى السماء يحرك شفتيه .

وأبدأ الكلام فيه .. يقول الإمام الرضا (ع) : إذا كان يوم القيامة ولِينا حساب شيعتنا ، فمن كانت مَظلمته فيما بينه وبين الله عز وجل حكمنا فيها فأجابنا ، ومن كانت مظلمته فيما بينه وبين الناس استوهبناها فوهبوها لنا ، ومن كانت مظلمته فيما بينه وبيننا كنا أحق من عفا وصفح .

عاش الإمام الرضا (ع) أربعاً وخمسين سنة وأشهراً ، حيث ولد في السنة التي استشهد فيها جده الإمام الصادق (ع) وعاش (ع) مع أبيه الإمام موسى بن جعفر (ع) ما يقرب من أربعة وثلاثين سنة ، وكانت مدة إمامته وخلافته بعد أبيه ما يقرب من عشرين سنة .

وكان يجالسني صديقاً لي ما أن ذكرت الكتابة عن الإمام الرضا (ع) حتى بادرني بالقول : ألا ترى يا صديقي إن ذكرى الإمام الرضا (ع) في أي محفل يَجدُ برداً في النفوس ورضاً واسعاً وارتياحاً كبيراً .. فقلتُ له : نعم والله ، أليس هو ما يسمى بأنيس النفوس .

عذراً يا سيدي يا ابن رسول الله إذا قصّرت في الكتابة عنك ولك .. وأنى لقلمي أن يبلغ نفحة من نفحات إمامتك ؟.. ولكن هذه الأسطر أبغي فيها شفاعتك يوم الورود .

فما أن تأتي سيرة الإمام الرضا (ع) في ذاكرتي إلا وخطرت في مفكرتي آية (ولسوف يعطيك ربك فترضى) .. ويقيني أنها تضمّ في تضاعيف تأويلها شخص الرضا (ع) في إمامته .. لان الرسول الأعظم (ص) يقول عن فاطمة الزهراء (س) : فاطمة بضعة مني .. ولم يقل الرسول (ص) بهذا اللفظ بحق إمام إلا في حق الإمام الرضا (ع) عندما قال (ص) : ستدفن بضعة مني في خراسان .. فالله سبحانه لم يَعِد نبيه بالعطاء فقط ، وإنما وعده بالعطاء حتى الرضا .. فأي منزلة نزلَها الحبيب المصطفى عند الخالق سبحانه .. فهو محمود عند الله حدّ الرضا .. والإمام الرضا (ع) محبوب عند رسول الله (ص) حد العطاء .. فتأمل ! .

فها أنا ذا أناجيك يا غريب الغرباء ومعي دعاء التوسل .. فجُد عليّ بجودك .. فمن يكون أسوأ حالاً مني ولا أملك سواك .. فليت المسافة لم تكن بعيدة .. فقد دقّ صوت الساعة ، واهتزّ الحنين .. وأتساءل مع نفسي أينزل بالعبد بلاءٌ أشدُّ من البعد عن سيدي ومولاي الإمام الرضا (ع) ؟ .

في مناظرة للمأمون مع الإمام الرضا (ع) قائلاً له : هل في القرآن ذكر لآل محمد تحديداً ؟
قال (ع) ، قول الله عز وجل : (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً) قالوا : يا رسول الله قد عرفنا التسليم فكيف الصلاة عليك ؟ فقال : تقولون اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم انك حميد مجيد . فهل بينكم معاشر الناس في هذا خلاف ؟ فقالوا : لا . فقال المأمون : هذا مما خلاف فيه أصلاً وعليه إجماع الأمة ، فهل عندك في الآل شيء أوضح من هذا في القرآن ؟ فقال أبو الحسن : نعم أخبروني عن قول الله عز وجل : (يس والقرآن الحكيم انك لمن المرسلين على صراط مستقيم) فمن عنى بقوله يس ؟

قالت العلماء : يس محمد (ص) لم يشك فيه أحد . قال أبو الحسن : فإن الله عز وجل أعطى محمدا وآل محمد من ذلك فضلاً لا يبلغ أحد كنه وصفه إلا من عقله وذلك أن الله عز وجل لم يسلّم على أحد إلا على الأنبياء (صلوات الله عليهم) فقال تبارك وتعالى : (سلام على نوح في العالمين) وقال : (سلام على إبراهيم) وقال : (سلام على موسى وهارون) ولم يقل : سلام على آل نوح ولم يقل : سلام على آل إبراهيم ولا قال : سلام على آل موسى وهارون وقال عز وجل : (سلام على آل يس) يعني آل محمد (صلوات الله عليهم) . فقال المأمون : لقد علمت أن في معدن النبوة شرح هذا وبيانه .

في خبر رواه الشيخ الصدوق بسنده ، أنّ الإمام الرضا (ع) قال : (لا دِينَ لمَن لا ورعَ له ، ولا إيمانَ لمَن لا تقيّة له ، إنّ أكرمكم عند الله عزّ وجلّ أعمَلُكم بالتقيّة ، فقيل له : يا ابن رسول الله ، إلى متى ؟ قال : إلى يوم الوقت المعلوم ، وهو يومُ خروج قائمنا أهلَ البيت ، فمَن ترك التقيّةَ قبل خروج قائمنا فليس منّا .

قيل له : يا ابن رسول الله ، ومَن القائم منكم أهلَ البيت ؟ قال : الرابع مِن وُلدي ابن سيّدة الإماء ، يُطهِّر الله به الأرض من كلّ جور ، ويقدّسها من كلّ ظلم ، وهو الذي يشكّ الناس في ولادته ، وهو صاحب الغَيبة قبل خروجه ، فإذا خرج أشرقت الأرض بنور ربّها ، ووُضع ميزان العدل بين الناس فلا يَظلم أحدٌ أحداً ، وهو الذي تُطوى له الأرض ، ولا يكون له ظلّ ، وهو الذي ينادي مُنادٍ من السماء يسمعه جميع أهل الأرض بالدعاء إليه ، يقول : ألا إنّ حجّة الله قد ظهر عند بيت الله فاتِّبعوه ؛ فإنّ الحقّ معه وفيه ، وهو قول الله عزّ وجلّ : (إن نشأْ نُنزِّلْ عليهم من السماء آيةً فظَلَّت أعناقُهم لها خاضعين) .

وروى يونس بن عبد الرحمن أنّ الإمام الرضا (ع) كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمر المهديّ المنتظَر (سلام الله عليه) بهذا : (اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد ، وادفَعْ عن وليِّك وخليفتِك ، وحجّتِك على خَلْقك ، ولسانِك المعبِّر عنك بإذنِك ، الناطقِ بحكمتِك وعَيْنِكَ النّاظِرَةِ في بَرِيَّتِكَ ، وشاهِداً عَلى عِبادِكَ … إلى أن قال في دعاءٍ طويل : وصلِّ على محمّدٍ وآله ، وأملأْ بهم كلَّ أُفقٍ من الآفاق ، وقُطرٍ من الأقطار ، قسطاً وعدلاً ، ورحمةً وفضلاً ، واشكُرْ لهم على حَسَبِ كرمك وجودك ، وما مَنَنْتَ به على القائمين بالقسطِ من عبادك ، واذْخُرْ لهم من ثوابِك ما تَرفَعُ لهم به الدرجات ، إنّك تفعل ما تشاءُ وتحكم ما تريد ، آمين ربَّ العالمين) .

روي عن الإمام الرضا (ع) أنّه قال : ( أحرصوا على قضاء حوائج المؤمنين ، وإدخال السرور عليهم ، ودفع المكروه عنهم ، فإنّه ليس شيء من الأعمال عند الله عزّ وجلّ بعد الفرائض ، أفضل من إدخال السرور على المؤمن) .

قال محمد بن سليمان النوفلي : إن المأمون لما جعل علي بن موسى الرضا (ع) ولي عهده ، وإن الشعراء قصدوا المأمون ووصلهم بأموال جمة حين مدحوا الرضا (ع) وصوبوا رأي المأمون في الأشعار دون أبي نؤاس ، فإنه لم يقصده ولم يمدحه ودخل على المأمون ، فقال له : يا أبا نؤاس قد علمت مكان علي بن موسى الرضا منّي وما أكرمته به ، فلماذا أخرت مدحه وأنت شاعر زمانك وقريع دهرك ؟ فأنشد يقول :
قيل لي أنت أفصح الناس طـراً في المعاني وفي الكلام النبيهِ
لك مـن جيّـد القريض مديحٌ
ينثر الدرّ من يدي مجتبيهِ
فلماذا لم تمتدح ابن موسى
والصفات التي تجمّعن فيه
قلت لا أستطيع وصف إمامٍ
كان جبريل خادماً لأبيهِ
فقال المأمون : أحسنت ووصله من المال بمثل الذي وصل به كافة الشعراء وفضلّه عليهم .
عن الإمام الكاظم (ع) : من زار قبر ولدي علي كان عند الله كسبعين حجة مبرورة.

وعن الرضا (ع) نفسه قال : من زارني على بعد داري ومزاري أتيته يوم القيامة في ثلاث مواطن حتى أخلصه من أهوالها : إذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً ، وعند الصراط ، وعند الميزان .

وقال الإمام الرضا (ع) أيضاً : مَا زَارَنِي أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي عَارِفاً بِحَقِّي إِلَّا شُفِّعْتُ فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وعن الإمام الهادي (ع) قال : من كانت له الى الله عز وجل حاجة فليزر قبر جدي الرضا بطوس وهو على غسل وليصلِّ عند رأسه ركعتين وليسأل الله تعالى حاجته في قنوته فإنّه يستجيب له ما لم يسأل في مأثم أو قطيعة رحم فإنّ موضع قبره لبقعة من بقاع الجنة لا يزورها مؤمن إلاّ أعتقه الله تعالى من النار وأحلّه دار القرار .

وروى الحميري عن الثقة الجليل معمّر بن خلّاد انّه قال : قال أبو جعفر الجواد (ع) : يا معمّر اركب ، قلت : إلى أين ؟ قال : اركب كما يُقال لك ، قال : فركبت فانتهيت إلى وادٍ أو إلى وهدة ، فقال لي : قف ها هنا .
فوقفت فأتاني فقلت له : جعلت فداك أين كنت ؟ قال : دفنت أبي الساعة وكان بخراسان‏ .

من كرامات الامام الرضا (ع)
حدثت هذه القصة كما سمعتها من أحد المؤمنين قبل أن يتم تسوير ووضع الأبواب للحرم الرضوي .
كان أحد المهندسين الإيرانيين يشرف على العمل ، فجاءه الشيخ البهائي قال له : عندما تنتهون من عملكم في التسوير لا تركبوا الأبواب حتى أعطيكم الأمر بذك .
فقال له : حسناً يا مولانا .
بينما المهندس كان نائماً في الليلة الأولى من كلامه مع الشيخ جاءه الامام الرضا (ع) قائلاً له : ثبّت الأبواب ، وعندما استيقظ من نومه ، قال : هذا مجرد حلم ، لان الشيخ أمرني بالانتظار ريثما يعود .
وفي الليلة الثانية رأى مثل الليلة السابقة والامام أغلظ عليه قليلاً ، فقال في نفسه كما في الليلة السابقة .
وفي الليلة الثالثة رأى نفس الحلم ولكن الامام أغلظ عليه أكثر من الليالي السابقة بقوله ثبّت الأبواب ، بعدها قال في نفسه ، هذا ليس حلماً بل أمراً .
فأمر العمال لديه بتركيب الأبواب تنفيذاً لكلام الامام (ع) .
بعد يوم جاء الشيخ البهائي ناهراً المهندس وقال له : ألم أنهك عن تركيب الأبواب قبل أن آمرك ؟
فقال له : جاءني الامام ثلاث مرات وكل مرة يزيد في لهجته في الكلام لي على تركيب الأبواب ، تيقنت بعدها أن الامام كان يأمرني بتركيبها ولم تكن بأضعاث أحلام .
بعدها بكى الشيخ لهذا الموقف . فقال له المهندس : ما يبكيك مولانا . فقال له : حقاً إنهم أبواب الرحمة ونجاةٌ للأمة ؛ أعلم بأني قد فكرت بأن أعمل أحراز أضعها في كل الأبواب كي لا يدخل الحرم إلا من كان نقياً صافي النية وخالياً من الذنوب ، فعلى الباب أي أنسان يدخل ويكون من أهل المعاصي يحدث له شيء بحيث يجبره على الخروج فوراً .. فكان حلمك الذي جاءك فيه الامام يقول فيه : هؤلاء الناس انقطعت بهم السبل فجاءوا ملتجئين لنا متوسلين بنا إلى الله ، فإن أرجعناهم فإلى من يلوذون ؟
ومن رحمة الله علينا ، ورحمته واسعة ، أن ولادة السيدة فاطمة المعصومة (ع) في هذا الشهر وولادة الإمام الرضا (ع) فيه ايضاً ، وهما الوحيدان المولودان لأم وأب واحد .. فأي زيارة تأتيك منهما وإليهما فلكَ الجنة .
اللهم بحق الرضا (ع) اجعلنا وأهلنا وأصدقاءنا ومعارفنا ممن تحبه وترضاه ، وعافنا في ديننا ودنيانا ، وأصلح آخرتنا انك لطيف بالعباد وأنت السميع المجيب .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار