مقالات وبحوث
هل ستفك حاملة الطائرات الأميركية المصغرة “تريبولي” القبضة الإيرانية عن عنق مضيق هرمز؟

سعد صاحب الوائلي
مع استمرار حجم الاستنزاف الذي تواجهه الولايات المتحدة جرّاء حربها التي فرضتها مع إسرائيل على ايران، ومع استمرار انغلاق مضيق هرمز الحيوي بفعل مجريات الحرب، وكذا فشلها في حشد تحالف عسكري أوروبي ودولي لفتح المضيق، لجأت واشنطن لتوجيه سفينتها الحربية العملاقة (يو أس أس تريبولي) الى المنطقة. وهذه القطعة البحرية الكبيرة بمثابة قاعدة عسكرية برمائية متنقلة، وحاملة طائرات مصغرة تُقِلُّ على متنها قرابة 2200 جندي من مشاة البحرية الاميركية المارينز.
ليصلك المزيد من الاخبار اشترك في مجموعتنا على واتس اب
ـ الصد الأوروبي.. هل سيعوضه 2200 جندي على متن (تريبولي)؟
ولعل تساؤل يلوح مع اقتراب وصول هذه القطعة البحرية الضخمة إلى مياه الخليج المتأججة، هل ستتمكن هذه القوة العسكرية القادمة (2200 من مشاة البحرية المارينز) من قلب موازين القوة، أم هي مجرد مناورة ضغط أميركية في حلبة القوة مع ايران، لاسيما مع ما واجهه ترامب من رفضٍ أوروبيٍ ودوليٍ في الانخراط بمهمة فك القبضة الإيرانية التي تخنق مضيق هرمز الشريان الاقتصاد العالمي الذي تمر عبر 20 بالمئة من امدادات النفط العالمية.
ـ بين انسحاب (جيرالد فور) وتقدم (تريبولي)، يتعاظم التناقض الاستراتيجي الأميركي.
مؤكد ان اتساع جغرافية التهديدات الساحلية وفاعلية الصواريخ الإيرانية هي من حملت ترامب ووزير حربه هيغسيث لإبعاد حاملات الطائرات العملاقة (جيرالد فورد) و(أبراهام لينكولن) إلى مسافات آمنة تزيد على ألف ومئتي كيلومتر عن السواحل الإيرانية، ما دفعهم لاستجلاب (تريبولي) البرمائية لمسرح العمليات في مياه المضيق المتلاطمة، الامر الذي يعكس تناقضياً استراتيجيأ أميركيأ فاضحا، إبعاد الكبير، واستجلاب الصغير.
ـ إنزال على شواطئ إيران: سيناريو عسكري أم ورقة ضغط استراتيجية؟
صحيح ان (2200) من المارينز يصطفون على متن (تريبولي)، مع إمكانيتها لحمل الطائرات الشبحية ـ أف 35، وتمتعها بقدراتٍ لتحقيق إنزالٍ برمائي تهدد به السواحل الإيرانية، وتعيد جردة حسابات طهران الدفاعية، لكن كل ذلك ربما لا يتيح لاميركا تحقيق إختراق كبير في هذه الحرب، ولا يمكّنها من فك الخانق عن مضيق هرمز؟ لإن واقع الحسابات العسكرية وحجوم الاحتمالات يؤشر لنسبِ مخاطر هائلة، ومددٍ زمنيةٍ طويلةٍ، وكلفٍ واثمان باهضةٍ ستواجهها واشنطن إذا ما لجأت لهذا الخيار.
ما يعزز هذه القراءة، أن القوات الإيرانية تنتشر على ما يزيد على 2700 كيلومتر في شريط حدودها الجنوبية المطلة على الخليج وجغرافية المضيق، الى جانب كونها متربصة (رغم القصف الأميركي) بترسانةٍ مُعدةٍ بإحكام من الألغام البحرية، والزوارق السريعة، والصواريخ المضادة للسفن، بل حتى الصواريخ بعيدة المدى من بقاع إيرانية عميقة، ما قد يحيل رقعة مضيق هرمز الضيقة (عرض كيلومترين ببعض النقاط) الى فخٍ بحريٍ محكم، ويجعل من فرصِ ضمان (تريبولي) في تحقيق خرقٍ كبيرٍ او نصرٍ سهلٍ أمراً بعيد المنال، إذ سيجرها الإيرانيون لحرب استنزاف وتهديدات من مسافة صفرية، ويحرمها من تحقيق إجتياح واسع النطاق.
وفي خضم المشهد المعقد، ورغم ان ايران لم تغلق المضيق سوى على المصالح الأميركية والإسرائيلية وهي تسمح لمن تريد بعبوره، إلا ان عسكرته هي التي حالت دون ان تخاطر السفن التجارية والناقلات بعبوره، الامر الذي يُعري المدعيات الأميركية والإسرائيلية، التي لم تستطع ان تقنع حتى حلفائها الأوروبيين والدوليين بمد يد العون لها في قضية المضيق، حيث نأوا بأنفسهم عن حرب ترامب ونتنياهو التي لم تبدأها إيران، ولم يَقرْ لجردة أهدافها قرار، إذ هي تتغير كل يوم.
على أية حال، يبدو ان زج القطعة البحرية الأميركية (تريبولي) كعنصرٍ جديدٍ في أتون الحرب، ليس بدوافع عسكرية بحتة، بل بدوافع سياسية وجيوستراتيجية، للإدراك القائم بأن القوة العسكرية وحدها، مهما بلغت ضخامتها، ستصطدم بحقائق الجغرافيا، فجوهر معركة مضيق هرمز اليوم لا تفرضها قدرة أميركا على فتح الممر بالطائرات والانزالات، بل بقدرتها على إقناع العالم بأن حربها ضد ايران، كانت هي الخيار الوحيد. وهذا ما لا يراه الأوروبيون وحلفاء واشنطن الاخرين الذين قرروا عدم الانجرار الى مستنقع ترامب في مياه هرمز.
المهم، يبدو أن (تريبولي) شاهدة على تناقضٍ استراتيجيٍ أميركيٍ عميق، جانباه، الرغبة في تحقيق الردع، وثانيه الخوف من الانزلاق في أتون حرب شاملة، يواجهون فيها إرادة مقاومةٍ إسطورية ٍلدى الشعب الإيراني الذي يرى ان الحرب المفروضة عليه هي مخاضٌ وجوديٌ، وإن كان ميزان القوة الصلبة غير متماثل مع الاعداء.






