مقالات وبحوث
إسرائيل تشرّعن إعدام الأسرى الفلسطينيين: تحول خطير في مسار الإبادة الجماعي

سعد صاحب الوائلي ـ 31/03/2026
في خطوة هي الأخطر منذ عقود، أكمل الكنيست الإسرائيلي بالأمس القراءة الثالثة والأخيرة لقانون يُشرّعن إعدام الأسرى الفلسطينيين ممن تمت ضدهم إجراءات الإدانة “القانونية!” الإسرائيلية الصورية، لاسيما أولئك الاسرى الذين تعلقت “محاكماتهم” بشكل مباشر أو غير مباشر بقضايا او عمليات أدت إلى مقتل إسرائيليين أو مستوطنين.
ليصلك المزيد من الاخبار اشترك في مجموعتنا على واتس اب
هذا “القانون”، الذي دفعته أحزاب يمينية متطرفة في ائتلاف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا يمثل مجرد حلقة جديدة في سلسلة الانتهاكات الإسرائيلية فحسب، بل هو تحول نوعي يُكرس رسمياً سياسة الإعدام خارج القانون تحت عباءة “التشريع” ولكن بإطارٍ عنصري بحت، في مشهد يعكس فشلاً دولياً واستعلاءً إسرائيلياً ممنهجاً.
قانون الإعدام: تفاصيل عنصرية وبآثار شبه رجعية:
بحسب النص الرسمي للقانون الذي تمت المصادقة عليه، فهو ينص على انزال عقوبة الإعدام شنقاً ضد أي فلسطيني تحديداً “يتعمد!” التسبب بوفاة إسرائيلي في عمل تصنفه السردية الإسرائيلية بـ”الإرهابي”.
وهنا تتجلى إشكالية عميقة، تكمن في تسيّد البنود التمييزية بصورة جلية؛ فالقانون حصري التطبيق على الفلسطينيين فقط، سواء في الضفة الغربية أو في أراضي (عام 48)، بينما يستثني المستوطنين الإسرائيليين الذين يقتلون فلسطينيين بشكل متعمد، الامر الذي يجسد صورة صريحة من التمييز العنصري الإسرائيلي، وفقاً للتوصيفات العالمية.
ولعل أخطر ما ورد في هذا “القانون”، كما أشارت تقارير لمنظمات إسلامية وأممية، هو أنه لا يشترط إجماع “القضاة” الاسرائيليين لإصدار حكم الإعدام، كما أنه يمنع منعاً باتاً إطلاق سراح أي أسير فلسطينيٍ مشمولٍ بهذا القانون في أي صفقة تبادل أسرى مستقبلية. كما يتضمن القانون آلية تنفيذ أمدها 90 يوماً فقط من تاريخ إقرار الحكم، ما يفتح الباب أمام ما وصفته مصادر فلسطينية بـالتدليس في ملفات الاسرى، وترتيب “عمليات اعدام مع إمكانية التطبيق بأثر رجعي” داخل السجون الإسرائيلية.
ردود الأفعال، كانت باهتة، بينها رد خارجية السلطة الفلسطينية في رام الله، حيث اكتفت بالادانة والرفض، واصفةً القرار بأنَّه يمثل تبنياً رسمياً للإعدام الميداني الذي كانت إسرائيل تمارسه فعلياً على الأرض دون غطاء قانوني.
أرقام مروعة تعكس حجم الكارثة الإنسانية:
لا يمكن فهم حجم خطورة هذا “القانون” بمعزل عن الأرقام التي توثق حجم الاعتقالات وأعداد الأسرى داخل السجون الإسرائيلية. فوفقاً لبيانات هيئات حقوقية في الأراضي المحتلة، وبيانات (هيئة شؤون الأسرى) الصادرة في 30 آذار 2026، فقد وصل عدد المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال حتى مطلع العام الجاري إلى أكثر من (9500 أسيراً فلسطينيا)، بينهم (350 طفلاً)، و(53 أسيرة)، من بينهم (3,442 معتقلاً إدارياً)، أي ما نسبته (36%) من إجمالي الأسرى، وهذه الفئة تحديداً هي الأكثر عرضة لإعادة التكييف القانوني لتشملها أحكام “قانون” الإعدام الجديد.
وبالمجمل، فمنذ بدء حرب الإبادة في غزة في تشرين اول / أكتوبر 2023، اعتقل الجيش الإسرائيلي أكثر من(22 ألف) فلسطيني من الضفة الغربية وحدها .
أما الأرقام المتعلقة بالموت داخل السجون فتكشف عن جريمة ممنهجة؛ حيث وثقت مؤسسة “بتسيلم” الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان مقتل (84) أسيراً فلسطينياً على الأقل في مراكز اعتقالٍ إسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023.
ووصفت هذه المنظمة حالة بعض تلك السجون الاسرائيلية بأنها بمثابة “معسكرات إعتقال وتعذيب” ضخمة، تتم فيها ابشع عمليات التعذيب والحرمان من الغذاء والدواء، الى جانب ممارسات التعذيب الوحشية الممنهجة، سواء التعذيب الجسدي أوالنفسي والجنسي، طبعا هذا على لسان منظمة إسرائيلية، فما بالك بحجم الإحصاءات الحقيقية على الارض.
بإختصار، “القانون!” يسبغُ شرعنةً، وتقريراً رسمياً لجميع الممارسات غير القانونية ويغلفها بلبوس (إجراءات رسمية) مُقَرّة. حيث يخول ما يسمى بمصلحة السجون الإسرائيلية باستخدام الذرائع بصفة “قانونية” لتنفيذ إعدامات فورية ضد المعتقلين الفلسطينيين، لاسيما مع وجود نسبة عالية من مجموع الاسرى يتصفون بصفة (معتقل إداري) وهم محتجزون بتهم وبدون تهم، وهم نتاج إعتقالات تعسفية بذرائع سياسية أو أمنية أو جنائية، الذين يمكن تكييف حالتهم “القانونية” بسهولة، مادامت أوراق الاتهامات جاهزة ومقولبة من قبل كيان الاحتلال.
إدانة أوروبية محدودة وغياب ردع دولي:
على الصعيد الدولي، مر “القانون” بردود فعلٍ باهتة، ظلت بمجملها هزيلة مقارنة بحجم خطورة الوضع، فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا إكتفوا بالتعبير عن “القلق البالغ” حيال “الطابع التمييزي العرقي” للقانون، ناهيك عن مواقف أخرى ضئيلة وهزيلة صدرت عن منظمات وجهات أوروبية أخرى.
كذلك، البرلمان الأوروبي الذي بإمكانه إعاقة العديد من إتفاقات الشراكة الأوروبية مع كيان الاحتلال وبإستطاعته فرض عقوبات على تل ابيب، أكتفى بتصعيدٍ لفظي ضد القرار الإسرائيلي، لا يسمن ولا يغني من جوع. يأتي هذا في وقت صمت العالم الإسلامي والعربي صمت القبور منشغلا بالحرب القائمة.
على اية حال، إسرائيل المنشغلة مع اميركا بحربها ضد ايران وبتصعيدها الحربي ضد لبنان وغزة، استغلت ظروف الحرب وانشغال العالم بحيثيات الحرب، لتمرر هذا “القانون” الظالم ضد الاسرى الفلسطينيين لتترجم حالةً من التشفي والتنكيل لكل من يعادي سياساتها الاجرامية حتى ولو كان سجينا بين جدران معتقلاتها الرهيبة.
وبكلمة، استمرار هذا الصمت الإسلامي والعربي والدولي والاممي، وغياب الاثار العقابية الشديدة ضد كيان الاحتلال، سيراكم كوقودٍ لآلة الحرب الإسرائيلية، وسيفاقم من وحشيتها المفرطة، وسيكرس من دمويتها بمزيد من المجازر، بل هو ينذر بتداعياتٍ كارثية، وسيترك إسرائيل سادرة في غيها، مضاعفةً لوتيرة ارتكابها للمجازر والإبادة الجماعية، ليس ضد الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين وحسب، بل ضد جميع شعوب المنطقة، خصوصا اذا ما تمكنت تل ابيب من تحقيق حلمها التوارتي المزعوم (من النيل الى الفرات).






